تتجه أحزاب اليسار والخضر والاشتراكي الديمقراطي في العاصمة الألمانية برلين إلى بدء مفاوضات تشكيل ائتلاف حكومي، بعد توصلها إلى تفاهمات أولية بشأن برنامج العمل المشترك، في خطوة أثارت جدلاً سياسياً واسعاً، ولا سيما بشأن موقف حزب اليسار من معاداة السامية والعلاقة مع إسرائيل.
ومن المقرر أن يصوت حزب الخضر، مساء اليوم، خلال مؤتمر حزبي مصغّر على بدء المفاوضات، فيما يبتّ المكتب التنفيذي لحزب الاشتراكي الديمقراطي في القرار عبر اجتماع رقمي. أما حزب اليسار، فمن المقرر أن يحسم موقفه في مؤتمر حزبي يوم 31 أكتوبر/تشرين الأول، على أن تبدأ المفاوضات مطلع نوفمبر/تشرين الثاني في حال موافقة الأحزاب الثلاثة.
ويستند التفاهم الأولي إلى وثيقة مشاورات أعلنتها الأحزاب خلال عطلة نهاية الأسبوع، وتتضمن عدداً من الملفات الخلافية، أبرزها مقترح نزع ملكية نحو 160 ألف شقة سكنية تملكها خمس شركات عقارية كبرى، مقابل تعويضات مالية، بهدف الحد من ارتفاع الإيجارات. وتجدر الإشارة إلى أن حزب اليسار كان يتعهد بنزع ملكية نحو 220 ألف شقة مملوكة لشركات عقارية كبرى في برلين، ونقلها إلى الملكية العامة، في إطار مساعيه لمعالجة أزمة السكن في العاصمة الألمانية.
وبحسب المقترح، ستُموَّل التعويضات عبر قروض، على ألا تتجاوز 16 مليار يورو، مع إعادة تمويلها من خلال إيرادات الإيجارات. ويشمل المقترح الشركات الخاصة التي تمتلك أكثر من عشرة آلاف شقة في برلين، مع السماح لها بالاحتفاظ برصيد أساسي يبلغ عشرة آلاف شقة. ومن المقرر تقديم مشروع قانون بهذا الشأن بحلول منتصف عام 2028، على أن يدخل حيز التنفيذ بعد عام من إقراره.
اليسار والخضر والاشتراكي الديمقراطي ينهون المحادثات الاستكشافية
أعدت الأحزاب الثلاثة وثيقة مشتركة تتضمن تحويل شركات الإسكان الخاصة التي تملك 10,000 وحدة سكنية على الأقل في برلين إلى الملكية المجتمعية. كما تنص على تقييد زيادات الإيجار في 440,000 وحدة سكنية تابعة للبلدية بما لا يتجاوز اثنين بالمئة سنوياً. ويُخطَّط لبرنامج بناء يوفر 100,000 وحدة سكنية بأسعار معقولة، مع إصدار 100,000 رخصة بناء بحلول عام 2031. وتشمل الخطط إبقاء Tempelhofer Feld دون بناء، وعدم استكمال مد الطريق السريع A100، وخفض سعر تذكرة النقل الاجتماعي، وإتاحة خدمة جمع النفايات كبيرة الحجم مجاناً لكل أسرة مرة واحدة سنوياً. وتشمل أيضاً توسيع مسارات الدراجات ومنح الحافلات والترام مسارات خاصة إضافية وأولوية عند إشارات المرور. ومن المقرر الإبقاء على مجانية التعليم من الحضانة حتى الجامعة، إلى جانب تذكرة النقل المجانية للتلاميذ ووجبة الغداء المدرسية المجانية حتى الصف السادس.
انتقادات داخل الحزب الاشتراكي الديمقراطي
في المقابل، تواجه مساعي تشكيل الائتلاف اعتراضات من داخل الحزب الاشتراكي الديمقراطي نفسه، إذ أعلن 20 نائباً من الحزب في البرلمان الاتحادي رفضهم التحالف مع حزب اليسار في برلين. وأعرب رئيس الكتلة البرلمانية للحزب الاشتراكي الديمقراطي في البرلمان الاتحادي، ماتياس ميرش، إنه لا يزال لديه «شكوك كبيرة» بشأن التحالف، مشيراً إلى أن قضايا التعامل مع معاداة السامية والجريمة المنظمة لم تُحسم بما يكفي لدى أجزاء من حزب اليسار في برلين. من جهته، شكك وزير العمل الألماني السابق هوبرتوس هايل أيضاً في قدرة حزب اليسار في برلين على تولي مسؤولية الحكم، معتبراً أن سلوكه السياسي يثير تساؤلات بهذا الشأن.
زودر يدعو إلى «جدار عازل أمام اليسار»
دعا رئيس وزراء ولاية بافاريا ورئيس الاتحاد المسيحي الاجتماعي البافاري، ماركوس زودر، إلى إقامة «جدار عازل أمام اليسار»، منتقداً التفاهم بين أحزاب اليسار والخضر والاشتراكي الديمقراطي في برلين. واتهم زودر حزب اليسار بوجود «معاداة عميقة الجذور للسامية» داخله، معتبراً أن التقارب السياسي بين الأحزاب الثلاثة يمثل تطوراً خطيراً في المشهد السياسي الألماني.
وكان زودر، قد شكك في وقت سابق في نظام التسوية المالية بين الولايات، على خلفية احتمال تشكيل ائتلاف حكومي في برلين يضم حزب اليسار، متهماً أطرافاً سياسية في العاصمة بالتسامح مع مواقف معادية للسامية أو تعزيزها. وقال إنه «لا يجوز أن تُكافأ السياسة المعادية للسامية»، موجهاً انتقادات خاصة إلى حزب الخضر بسبب تعاونه مع اليسار، الذي وصفه بأنه يضم تيارات متطرفة يسارياً ومعادية للسامية. ولوّح زودر بإعادة النظر في «اتفاق العاصمة» إذا مضى حزب اليسار في تنفيذ خططه لنزع الملكية، وهو اتفاق ثنائي يُبرم بين الحكومة الاتحادية الألمانية وحكومة ولاية برلين لتنظيم وتحمل الأعباء المالية الاستثنائية التي تقع على عاتق برلين بصفتها عاصمة للبلاد.
كما لوّحت أصوات من حليفه الاتحاد المسيحي الديمقراطي في مدينة ميونخ بفرض عقوبات مالية على برلين، في حال تولي حزب اليسار الحكم، متهمةً الحزب بمعاداة السامية وكراهية اليهود.
اليسار يتهم زودر بتوظيف اتهامات معاداة السامية لتحقيق مكاسب سياسية
وبحسب ما نقلته وسائل إعلام ألمانية، رفضت قيادات في حزب اليسار التهديدات بتقليص المساعدات المالية المقدمة إلى برلين، معتبرةً أن ربط التمويل العام بالتركيبة السياسية للحكومة محاولة للضغط على العاصمة. وقالت رئيسة الكتلة البرلمانية للحزب في البرلمان الاتحادي، هايدي رايشينيك، إن رئيس وزراء بافاريا ماركوس زودر يوظّف اتهامات معاداة السامية لتحقيق مكاسب سياسية، مؤكدةً أن الحزب يقف إلى جانب الإسرائيليين والفلسطينيين الساعين إلى السلام، ويرفض جرائم الحرب في غزة.
واعتبرت رايشينيك أن هذه الاتهامات تعكس ازدواجية في المعايير. وأشارت إلى أن زودر رفض، عقب فوز حزب البديل من أجل ألمانيا في انتخابات ولاية ساكسونيا أنهالت، استخدام نظام التسوية المالية بين الولايات لمعاقبة ولاية بسبب خياراتها السياسية، لكنه يطالب الآن بتطبيقها في برلين.
ورفضت رئيسة الحزب الاتحادي، إينيس شفيردتنر، اتهامات معاداة السامية، معتبرةً أن انتقاد الحكومة الإسرائيلية بسبب حرب غزة لا يُعد بحد ذاته معاداة للسامية، وأن هذه الاتهامات تُستخدم لتشويه صورة الحزب سياسياً.
نائبة يسارية في قلب الجدل السياسي
وتصاعدت الانتقادات الموجهة إلى حزب اليسار عقب انضمام فانيسا إمده إلى كتلته البرلمانية، على خلفية تصريحات لها وُصفت من قبل منتقدين بأنها معادية للسامية، وهو ما نفته. كما شاركت إمده في مظاهرة مؤيدة لفلسطين وظهرت إلى جانب إبراهيم إبراهيم، الذي وصفته وسائل إعلام ألمانية بأنه مؤيد لحركة حماس، والتُقطت لهما صورة خلال احتفالات الحزب بفوزه في انتخابات برلين في 20 سبتمبر/أيلول الماضي. وألقى هذا الجدل بظلاله على مشاورات تشكيل الائتلاف الحكومي بين اليسار والخضر والاشتراكي الديمقراطي، التي عُلقت مؤقتاً قبل استئنافها لاحقاً.
ميرتس يحذر من التعاون مع حزب اليسار
بدوره، حذر المستشار الألماني فريدريش ميرتس الحزبين الاشتراكي الديمقراطي والخضر من المضي في مفاوضات تشكيل ائتلاف مع حزب اليسار. وقال ميرتس خلال مشاركته في مؤتمر شبيبة الاتحاد المسيحي في مدينة بون إن من يريد تعزيز الوسط السياسي لا ينبغي له الدخول في مفاوضات مع قوى يسارية متطرفة، مؤكداً أن معاداة السامية لا مكان لها في ألمانيا.
الاتحاد المسيحي الديمقراطي ينتقد وثيقة التفاهم
وانتقد رئيس الكتلة البرلمانية للاتحاد المسيحي الديمقراطي في برلمان برلين، شتيفان إيفرس، وثيقة التفاهم التي توصلت إليها الأحزاب الثلاثة، واصفاً إياها بأنها «إعلان استسلام» من الحزبين الاشتراكي الديمقراطي والخضر أمام حزب اليسار. واعتبر إيفرس أن الاتفاق يمثل تحولاً سياسياً خطيراً، في ظل اعتراضات داخلية على التعاون مع حزب اليسار.
الخضر يتوقعون الموافقة على بدء المفاوضات
في المقابل، أعرب رئيس كتلة الخضر في برلمان برلين، فيرنر غراف، عن ثقته في موافقة حزبه على بدء مفاوضات تشكيل الائتلاف مع الحزبين الاشتراكي الديمقراطي واليسار. وقال غراف لإذاعة برلين براندنبورغ إنه يتوقع الحصول على الأغلبية اللازمة للموافقة على بدء المفاوضات، مؤكداً عزمه العمل من أجل حشد التأييد داخل حزبه.