Skip to main content

إيقاف معلم ألماني عن التدريس بسبب موقفه من فلسطين

صورة للمعلم الألماني يوليان هونت (Foto: Privat)
صورة للمعلم الألماني يوليان هونت (Foto: Privat)

لم يكن يوليان هونت يتوقع أن تؤدي منشوراته ومواقفه العلنية بشأن فلسطين إلى إبعاده عن مهنة أحبها لسنوات. لكن في 31 أكتوبر/تشرين الأول 2025، تلقى اتصالاً من إدارة مدرسته غيّر مسار حياته المهنية، وانتهى بتسليمه قراراً بإيقافه الفوري عن العمل وإلزامه بتسليم مفاتيح المدرسة.

يقول يوليان، البالغ من العمر 35 عاماً، والذي كان يعمل حتى ذلك الحين مدرساً في مدرسة Neues Gymnasium بمدينة روسلسهايم، الواقعة بين ماينتس وفرانكفورت والمعروفة بارتباطها بشركة أوبل، إنه لم يدعُ في أي وقت إلى العنف، وإن ما عبّر عنه كان موقفاً إنسانياً نابعاً من قناعاته الدينية والأخلاقية، ومن قراءاته وأبحاثه حول فلسطين وإسرائيل، “الهجمات على كرامة الإنسان سأواصل وصفها بأنها كذلك وسأجرؤ على قول ما أؤمن به بوضوح، حين يضعني ضميري أمام اختبار”. يقول يوليان، ثم يؤكد :” فأنا في جوهري، بقيت بروتستانتياً”.

غزة.. نقطة التحول

في أواخر صيف 2025، شارك يوليان في مظاهرة United4-Gaza في برلين، وفي تلك الفترة كان يتابع الصور ومقاطع الفيديو القادمة مباشرة من غزة عبر منصات التواصل الاجتماعي، ويقول إن هذه المشاهد أثرت فيه بشدة.

“أنا إنسان يتأثر بما يحدث”، يقول يوليان، موضحاً أن ما شاهده دفعه إلى التعبير بصورة أكثر وضوحاً عن موقفه تجاه الحرب على غزة والسياسة الإسرائيلية. آنذاك وجّه انتقادات حادة إلى حكومة بنيامين نتنياهو، ووصف سياستها تجاه غزة بأنها “إبادة جماعية”. ومن بين العبارات التي نشرها: “لفلسطين الحق في الدفاع عن نفسها، بما في ذلك ضد الاحتلال”. ويقول إن هذه العبارة كانت بالنسبة إليه مرتبطة بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وهو حق معترف به في القانون الدولي، مع التأكيد، بحسب موقفه، على أن القانون الدولي الإنساني ينطبق على جميع أشكال المقاومة.

من صورة “الدولة الديمقراطية الوحيدة” إلى البحث عن رواية أخرى

يقول يوليان إنه كان قبل 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 يمتلك فهماً مختلفاً تماماً للصراع، “بعد 7 أكتوبر 2023 كنت ما أزال مطلعاً بشكل كبير على طبيعة المشروع الاستيطاني الصهيوني، لأنني تعلمت في المدرسة أنه يمثل «الديمقراطية الوحيدة» في ما يسمى الشرق الأوسط”.

لكن هذا التصور، بحسب روايته، بدأ يتغير مع الدراسة الذاتية والتواصل مع أشخاص من المنطقة ممن تأثروا بما يحدث بصورة مباشرة أو غير مباشرة. ويضيف أن اهتمامه لم يعد مقتصراً على السياسة الإسرائيلية، بل بدأ أيضاً بالنظر بصورة أكثر نقدية إلى الدور الألماني، وإلى ما يعتبره تواطؤاً من جانب الحكومات الألمانية الحالية والسابقة.

بناء موقفه من فلسطين لم يكن قائماً على منشورات مواقع التواصل الاجتماعي وحدها. فقد زار العديد من مواقع إحياء ذكرى الهولوكوست والمتاحف في أنحاء أوروبا، واطلع على تقييمات منظمات حقوق الإنسان المستقلة في دول مختلفة، كما كانت الكتب، بحسب روايته، عنصراً أساسياً، إذ يذكر يوليان أسماء عدد من الكتّاب والمفكرين الذين أثّروا في طريقة فهمه للقضية، بينهم إيلان بابيه، ومايكل لودرز، وفابيان غولدمان، ورينات ديلمان، وتيلو برنهاردت.

من منشورات على إنستغرام إلى شكاوى في المدرسة

بحسب يوليان، لم تبقَ مواقفه ضمن نطاق النقاش السياسي على مواقع التواصل الاجتماعي. إذ يقول إن شخصاً مقرّباً من الحركة الصهيونية أرسل إليه رسالة مباشرة تضمنت إهانة، ثم ربط هذا الشخص في أحد التعليقات بين مواقفه السياسية وعمله المهني. كما دعا إلى تقديم شكاوى إلى مدرسته باستخدام البريد الإلكتروني ورقم الهاتف الخاصين بها.

وبالفعل، وصلت إلى المدرسة ثلاث شكاوى، والتي يُعتقد أنها كانت نتيجة لما يسمى بـ«كشف أو نشر المعلومات الشخصية» (Doxing) لشخص ما بهدف تعريضه للضغط أو الاستهداف. ويشير إلى أن بعض هذه الشكاوى جاءت من خارج منطقة الراين-ماين، ومن بينها شخص من بريمن، لا تربطه، بحسب قوله، أي علاقة بعمله أو أدائه المهني.

“كنت أعرف واجباتي كموظف حكومي ولكني في صراع مع ما يمليه عليّ ضميري”

لم يكن يوليان يجهل أن صفته كموظف حكومي تفرض عليه قيوداً خاصة في التعبير عن مواقفه. لكنه يقول إنه وجد نفسه أمام صراع بين واجباته كموظف حكومي وما يمليه عليه ضميره. فمن جهة، هناك واجب ضبط النفس المفروض على الموظفين الحكوميين، ومن جهة أخرى هناك ما يعتبره التزاماً أخلاقياً بعدم الصمت أمام ما يراه ظلماً يمس قيماً دستورية أساسية.

ويشير إلى كرامة الإنسان المنصوص عليها في المادة الأولى من القانون الأساسي الألماني، وإلى السلام والتفاهم بين الشعوب الواردين في دستور ولاية هِسّن. كما يستشهد يوليان بالمادة 68 من دستور ولاية هِسّن، التي يقول إنها توفر حماية لمن يشير إلى وقائع يرى أنها تمثل انتهاكاً للقانون الدولي. ويضيف: “أحياناً ينتابني شعور خانق بأن الأشخاص المسؤولين يفتقرون إلى فهم قانوني لدستورنا”.

عندما تغيّر موقفه بعد 7 أكتوبر

لم يكن موقف يوليان بعد أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 ثابتاً منذ البداية. ففي 9 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، توجه إلى الكنيس الجديد في ماينتس لإظهار تضامنه. ويقول إنه استمع حينها، بحضور عدد من كبار السياسيين في ولاية راينلاند-بفالتس، إلى روايات وصفها في ذلك الوقت بأنها موثوقة وصادمة. لكن أبحاثه اللاحقة دفعته، بحسب قوله، إلى إعادة النظر بصورة نقدية في بعض تلك الروايات، ولا سيما ما يتعلق بالتفاصيل الدقيقة لما حدث في ذلك اليوم. فرحلة البحث لم تكن سهلة، على حد تعبيره، إذ تضمنت أيضاً مراجعة لمواقفه الشخصية. فقد خسر، بحسب قوله، صديقين بعدما اتهمهما بمعاداة السامية. ويشير إلى أن إجراء تحقيق مستقل بشأن تلك الأحداث، وفق اعتقاده، ما يزال ممنوعاً حتى اليوم.

لاحقاً، شارك في دورة تدريبية نظمتها مؤسسة آن فرانك التعليمية في فرانكفورت حول “معاداة السامية في المدرسة”. كما شارك في مظاهرات، والتقى بأشخاص تأثروا بالصراع، ويقول إن بعض هؤلاء أصبحوا اليوم جزءاً من عائلته. ويختصر يوليان هذه الرحلة بجملة واحدة: “عندما تفهم أمراً ما مرة واحدة، لا يمكنك العودة إلى ما كنت عليه من قبل”.

31 أكتوبر.. يوم الإيقاف عن التدريس 

في مساء الجمعة 31 أكتوبر/تشرين الأول 2025، كان يوليان في منزله بعد أسبوع عمل شاق، يجلس على الأريكة ويشاهد تسجيلاً للمؤتمر الصحفي الحكومي الذي يقدمه الصحفي تيلو يونغ، وكان الموضوع يتعلق بمعاناة الأطفال في غزة. يقول يوليان إنه من الأشخاص الذين يتابعون ما تقوله الحكومة الألمانية في مؤتمراتها الصحفية، حتى وإن كان ذلك، على حد تعبيره، لا يمثل دائماً “ترفيهاً فكرياً كبيراً”، ثم رن هاتفه، كانت إدارة المدرسة على الطرف الآخر. يقول إن صوت إدارة المدرسة كان متوتراً، وإنه أُبلغ بوجود أمر عاجل يجب توضيحه، توجه يوليان بسيارته إلى مكتب الإدارة.

هناك، تسلّم خطاباً يتضمن إيقافه الفوري عن العمل. ويقول إن إدارة المدرسة نفسها كانت شديدة التأثر بالقرار. وبعد أسابيع، أبلغته الإدارة بأن ذلك اليوم كان “أسوأ يوم في حياتها”، والتي دعمته خلال هذه المرحلة، لكنها لم تنحز إلى أي طرف، لأنها لم تكن، بحسب ما أبلغته، مطلعة بما يكفي على الأحداث في فلسطين وإسرائيل. بعد ذلك، قدم يوليان إفادة خطية لمكتب التعليم الحكومي. في ذلك اليوم، يروي يوليان إنه تلقى قرار الإيقاف دون جلسة استماع شخصية، ولم تتح له، بحسب روايته، فرصة لشرح أفكاره أو تفسير تصرفاته قبل تسليم القرار.

“اخترت القتال”

يقول يوليان إن تجاربه مع علم النفس المدرسي جعلته يعرف ثلاث استجابات رئيسية للأزمات: flight (الهروب)، وfreeze (التجمّد)، وfight (القتال). ويضيف: “أنا اخترت الخيار الأخير”، بالنسبة إليه، فإن الدفاع عن حقوقه وحقوق الآخرين ليس مجرد موقف سياسي، بل جزء من هويته الدينية.

يقول إنه كان أكثر خوفاً وتحفظاً في طفولته ومراهقته، لكنه تخلص تدريجياً من هذه الصفات، إذ يصف يوليان شعوره “أريد أن أتمكن من النظر إلى نفسي في المرآة صباحاً ومساءً”. ويضيف أنه يشعر بالامتنان للأشخاص في فلسطين الذين ساهمت قصصهم ومعاناتهم في “فتح عينيه”.

يروي يوليان إن الخوف كان عبر التاريخ أداة للسيطرة السياسية والاجتماعية، مستعيداً قصة كتبها في طفولته بعنوان “الجشع وراء المال”. ضمن مشروع للكتابة الإبداعية في دروس التحضير للتثبيت الديني. فمن خلالها يشرح يوليان نظرته إلى المال والمكانة السياسية والاجتماعية، قائلاً إن جمع المال من أجل المال فقط، قد يؤدي إلى الابتعاد عن الطريق القويم.

ومع ذلك، يؤكد أنه لا يعيش حياة زاهدة بالكامل. فهو كغيره من الناس، يحب السفر في العطلات، ويستمتع بالتنقل بدراجته النارية في أوروبا، وينفق المال أيضاً، لكنه يظل واعياً بأن الإنسان لا يعيش في هذه الدنيا إلا لفترة محدودة. ويختصر يوليان فلسفته بعبارة لاتينية: “Ergo dum tempus habemus, operemur bonum”، أي: “ما دمنا نملك الوقت، فلنعمل الخير”. كما يوجه رسالة إلى الأشخاص الذين يشاركونه مواقفه “إذا تعرضتم للظلم، فقاتلوا من أجل الحق، وتواصلوا مع مَن يشاركونكم التفكير: “أنتم لستم وحدكم”. ويختم رسالته بعبارة لاتينية أخرى: “Sapere aude” أي تجرأ على أن تعرف.

خيبات الأمل في العائلة والعمل

لم تكن تداعيات القضية مهنية فقط. إذ يقول يوليان إنه تعلم خلال الأشهر الماضية الكثير عن النفس البشرية، خصوصاً آليات الإقصاء الاجتماعي وضغط الامتثال للمجموعة. ويشير إلى ما يعرف بـ”تأثير الخروف الأسود”، أي ميل المجموعة إلى التقليل من قيمة الشخص الذي يخرج عن القاعدة أو يختلف عن بقية أفرادها. إذ إنه واجه خيبات أمل كثيرة في محيطه العائلي أيضاً، لكنه يرى أن جزءاً من هذه الخيبات كان ناتجاً عن توقعاته من الأشخاص، اللذين كما وصفهم “يجيدون ارتداء الأقنعة”.

من الأزمة إلى كتاب محتمل

رغم كل ما حدث، لا يغلق يوليان الباب أمام العودة إلى مهنة التدريس. يقول إن أمله الأكبر هو أن تنتهي الحروب في العالم، لكنه يرى أن ذلك لن يتحقق بالأسلحة، وإنما من خلال التعليم والتوعية. ويؤكد أنه أحب مهنة التدريس، وأنه يرغب من حيث المبدأ في العودة إلى التعليم، لكن السؤال، بالنسبة إليه، هو ما إذا كان ذلك ممكناً، وتحت أي شروط. ويضع يوليان حداً واضحاً لما يمكن أن يقبله: “كرامتي وصحتي تأتيان بالنسبة لي في المقام الأول”. خلال الأشهر الماضية، بدأ يوليان بتدوين تجاربه وأفكاره وربما تتحول هذه الكتابات في المستقبل إلى كتاب، كما يقول. وبينما لا يزال مستقبله المهني والقانوني غير محسوم، ينظر يوليان إلى ما حدث باعتباره أكثر من مجرد خسارة لوظيفة أو أزمة مهنية. فربما، كما يقول، لا تكون هذه الأزمة نهاية فصل من حياته، بل بداية فصل جديد.

أمل باللغة الألمانية

يلا