تستعد الحكومة الألمانية لتشديد الرقابة والتتبع على الجمعيات والمؤسسات الأهلية التي تتكون غالبيتها من جنسيات غير أوروبية، وذلك عبر تعديل مرتقب لـ “قانون الجمعيات” (Vereinsgesetz). ورغم أن الهدف المعلن يتعلق بحماية الأمن القومي ومواجهة التهديدات الخارجية، إلا أن خبراء قانونيين وممثلي المجتمع المدني يحذرون من أن هذه الخطوة قد تضع آلاف الجمعيات الثقافية والاجتماعية الملتزمة تحت مظلة الشبهة والوصم الاجتماعي.
تشديد الرقابة على “الجمعيات الأجنبية”: ما الذي يتغير؟
في جلسة استماع علنية عقدتها لجنة الشؤون الداخلية في البرلمان الألماني (البوندستاغ)، نُقش مشروع القانون الجديد الذي أقره مجلس الوزراء. ويسعى التشريع إلى تحديث وتطوير “سجل الجمعيات الأجنبية” لدى المكتب الاتحادي للإدارة (BVA).
بموجب القواعد الجديدة، لن تكتفي السلطات بانتظار الإبلاغ الطوعي، بل ستتولى التحقق النشط والتدقيق في مدى التزام الجمعيات بالتسجيل والتحديث الدوري لبياناتها حسب ما جاء في موقع ميغاتسين.
أبرز الالتزامات والعقوبات المالية الجديدة:
الإفصاح عن التمويل الخارجي: يُلزم القانون الجمعيات بتقديم بيان شفاف إذا تلقت دمجاً أو تمويلاً سنوياً يتجاوز 10 آلاف يورو من جهات أو مؤسسات تابعة لدول خارج الاتحاد الأوروبي.
غرامات التأخير وعدم الإبلاغ: تفرض السلطات غرامات تصل إلى 20 ألف يورو عند مخالفة واجبات التسجيل والإفصاح عن البيانات الأساسية.
عقوبات إخفاء التمويل: قد تصل الغرامة المالية إلى 50 ألف يورو في حال عدم الكشف عن التمويلات الأجنبية الخاضعة للإفصاح.
مشاركة البيانات مع الأجهزة الأمنية
لا يقتصر الأمر على مجرد إجراءات إدارية، بل يُتيح مشروع القانون الآلية القانونية لنقل وتبادل البيانات المجمعة في السجل مع مجموعة واسعة من الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، مثل: الهيئة الاتحادية لحماية الدستور (الاستخبارات الداخلية)، المكتب الاتحادي للشرطة الجنائية (BKA) وهيئات الشرطة والنيابات العامة وتحقيقات الجمارك والضرائب.
وتبرر الحكومة هذه الخطوات برغبتها في الحد من المخاطر المرتبطة بالنفوذ الخارجي الهجين، وتمويل الإرهاب، ونشاطات الشبكات المتطرفة التي قد تتخفى خلف ستار الجمعيات الثقافية والرياضية.
انتقادات الخبراء: معايير قديمة لا تحقق الهدف
أثار مشروع القانون انتقادات واسعة من قبل خبراء شؤون القانون والمجتمع المدني، وتركزت الاعتراضات على النقاط التالية:
الاعتماد على جنسية الاعضاء بدلاً من مصدر التهديد: يرى الناقدون أن تصنيف الجمعية كـ “جمعية أجنبية” بناءً على جوازات سفر أعضائها يعود إلى مفهوم قانوني يعود لعام 1964. فالجنسية لا تعني بالضرورة الخضوع لتأثير دول خارجية.
ثغرات سهلة الاستغلال: المنظمات الإجرامية أو الشبكات المتطرفة الاحترافية يمكنها بسهولة التملص من هذا القانون عبر إشراك مواطنين يحملون الجنسية الألمانية في الهيئات الإدارية، مما يخرجها من نطاق التصنيف.
استهداف الجمعيات الملتزمة: بينما تصبح الجمعيات الثقافية التي تقدم خدمات مشروعة كدروس اللغة ودعم الشباب هدفاً سهلاً للتفتيش والغرامات، تتوارى الشبكات المشبوهة خلف أشكال تنظيمية أخرى.
بين الشفافية والوصم العام
تطرح هذه التعديلات تساؤلاً جوهرياً حول التوازن بين المتطلبات الأمنية وصيانة حقوق المجتمع المدني. فبدلاً من ربط الشفافية والرقابة بحجم ومصدر التمويل بحد ذاته بغض النظر عن جنسية الأعضاء، يخشى الكثيرون أن يؤدي هذا القانون إلى فرض “اتهام عام” واستبعاد معنوي لقطاع واسع من منظمات المجتمع المدني التي تسهم يومياً في تعزيز التنوع والتكامل داخل المجتمع.