Skip to main content

ألمانيا تتجه نحو الانكماش السكاني

صورة تعبيرية، Foto: Canva Pro
صورة تعبيرية، Foto: Canva Pro

بعد سنوات من الاستقرار النسبي، تعود ألمانيا إلى مواجهة واقع ديموغرافي مختلف: عدد السكان مرشح للتراجع خلال العقود المقبلة، فيما تواجه مناطق، خصوصاً في شرق البلاد، انخفاضاً أكبر في عدد السكان والقوة العاملة.

وبحسب دراسة جديدة بعنوان «الوضع الديموغرافي للأمة»، أعدها معهد برلين للسكان والتنمية بالتعاون مع مؤسسة Wüstenrot ونشرها موقع MDR WISSEN، قد ينخفض عدد سكان ألمانيا إلى نحو 81.8 مليون نسمة بحلول عام 2045. كما يُتوقع أن يفقد أكثر من ثلثي المقاطعات والمدن المستقلة البالغ عددها 400 منطقة جزءاً من سكانها.

من الاستقرار إلى الانكماش

قبل سبع سنوات، كانت التوقعات أكثر تفاؤلاً. ففي عام 2019، تحدث معهد برلين عن مرحلة من «الاستقرار الديموغرافي المؤقت»، مع توقعات ببقاء عدد السكان مستقراً إلى حد كبير.

لكن الصورة تغيرت. فمن بين 184 منطقة كانت قد سجلت نمواً سكانياً بين عامي 2014 و2024، يُتوقع أن تدخل هذه المناطق مستقبلاً مرحلة الانكماش. كما تراجعت التوقعات بشأن المناطق التي ستواصل النمو من 160 منطقة في دراسة 2019 إلى 125 منطقة فقط في الدراسة الجديدة.

شرق ألمانيا في قلب التراجع

لا يتوزع الانكماش السكاني بالتساوي على أنحاء البلاد. وتظهر ولايات تورينغن وساكسونيا-أنهالت وساكسونيا ضمن المناطق الأكثر تأثراً. وتشير الدراسة إلى أن 42 منطقة من أصل 50 منطقة يُتوقع أن تسجل أكبر خسائر سكانية تقع في شرق ألمانيا. وقد تفقد مدينة زول نحو 30% من سكانها بحلول عام 2045، في حين يمكن أن يرتفع عدد السكان في منطقة دامه-شبريه فالد، القريبة من برلين، بنحو 17%.

وتؤكد الدراسة أن الانكماش السكاني ليس ظاهرة شرق ألمانية حصراً، إذ توجد فروق كبيرة أيضاً في الغرب. فبينما يُتوقع أن يواصل سارلاند خسارة السكان، قد تستمر مدن مثل فرانكفورت ودوسلدورف في النمو.

سوق العمل أمام تحدٍ كبير

المشكلة لا تتعلق بعدد السكان فقط، بل أيضاً بحجم القوة العاملة. فمع وصول أعداد كبيرة من جيل «البيبي بومر» إلى سن التقاعد حتى منتصف ثلاثينيات القرن الحالي، من المتوقع أن ينخفض عدد السكان في سن العمل في ألمانيا بنسبة 4.7% بحلول 2045، من نحو 53 مليوناً إلى 50.7 مليون شخص.

وفي تورينغن قد يصل الانخفاض إلى نحو 18%، أي ما يقارب 222 ألف شخص، بينما يبلغ في ساكسونيا-أنهالت 15.4%، وفي ساكسونيا 5.7%. لكن الصورة تختلف في بعض المدن الكبرى. فبحسب الدراسة، قد تضم دريسدن ولايبزيغ في عام 2045 عدداً أكبر من الأشخاص في سن العمل مقارنة بالوقت الحالي، على غرار هامبورغ وميونخ.

لماذا يبدو شرق ألمانيا مختلفاً؟

المفارقة أن بعض مناطق شرق ألمانيا قد تشهد مستقبلاً انخفاضاً في العدد المطلق لكبار السن، في حين يزداد عدد كبار السن على مستوى ألمانيا ككل. وتفسر الدراسة ذلك بأن التحول الديموغرافي بدأ في أجزاء من الشرق في وقت أبكر. فقد مرت موجة إحالة أعداد كبيرة من جيل ما بعد الحرب إلى التقاعد هناك قبل مناطق أخرى من البلاد، بينما جاءت بعدها أجيال أصغر حجماً بسبب انخفاض معدلات المواليد. ويبلغ متوسط العمر في ساكسونيا-أنهالت 47.7 عاماً، وفي تورينغن 47.2 عاماً، وفي ساكسونيا 46.4 عاماً، مقابل 42.3 عاماً في برلين.

المدن تجذب الشباب.. والمناطق الطرفية تخسرهم

مع تراجع أعداد المواليد وارتفاع الوفيات في معظم المناطق، ستصبح الهجرة الداخلية والخارجية عاملاً أكثر أهمية في تحديد مستقبل المناطق الألمانية. وتستفيد المدن الكبرى ومحيطها من انتقال الشباب إليها، بينما لا تتمكن مناطق أخرى إلا من تخفيف خسائرها السكانية عبر جذب السكان الجدد.

وتشير الدراسة إلى أن التوقعات تفترض تراجع صافي مكاسب ألمانيا من الهجرة مستقبلاً، مع بقاء حركة الهجرة نفسها أكثر صعوبة في التنبؤ بها مقارنة بمعدلات الولادات والوفيات.

الانكماش ليس مجرد مشكلة شرق وغرب

تدعو نتائج الدراسة إلى عدم اختزال المشكلة في الانقسام بين شرق ألمانيا وغربها. فحتى داخل المناطق الشرقية نفسها تتسع الفجوة بين المدن والمناطق الطرفية. وتظهر مدن مثل لايبزيغ ودريسدن، إلى جانب بوتسدام وبعض المناطق المحيطة ببرلين، في وضع أفضل من المناطق الريفية البعيدة التي تعاني من تراجع السكان وضعف البنية التحتية وارتفاع متوسط الأعمار.

كما أن بعض المدن الغربية الكبرى تواجه بدورها تحديات ديموغرافية واقتصادية، ما يعني أن العامل الحاسم ليس الموقع الجغرافي وحده، بل مزيج الظروف السكانية والاقتصادية والاجتماعية لكل منطقة.

التحدي المقبل: كيف تتعامل ألمانيا مع عدد أقل من السكان؟

ترى الدراسة أن السؤال لم يعد فقط ما إذا كانت ألمانيا ستنمو أو تنكمش، بل أين سيحدث النمو وأين سيحدث التراجع. فبعض المناطق ستحتاج إلى بناء مساكن وتوسيع البنية التحتية لاستيعاب مزيد من السكان، بينما ستضطر مناطق أخرى إلى تقديم الخدمات نفسها بعدد أقل من السكان والعاملين.

وبحسب القائمين على الدراسة، فإن تراجع عدد السكان في كثير من المناطق قد لا يكون قابلاً للوقف بالكامل، لكن يمكن للسياسات العامة أن تحدد كيفية التعامل معه، بما يتناسب مع احتياجات كل منطقة.

أمل باللغة الألمانية

يلا