لا تنتهي الخلافات دائماً بانتهاء العلاقة الزوجية، بل قد تتحول إلى معارك قضائية طويلة حول حضانة الأطفال وحق الزيارة والنفقة. وفي خضم هذه النزاعات، يجد الأطفال أنفسهم عالقين بين والدين يفترض أن يكونا مصدر الأمان والاستقرار في حياتهم.
وتسلط المحامية الألمانية الدكتورة جنيفر نادولني، المتخصصة في قانون الأسرة، الضوء على هذه القضية من خلال خبرتها في تمثيل آلاف الأمهات والآباء. وفي مشاركتها في بودكاست «عندما يتحول الآباء إلى أعداء»، تناقش التحديات القانونية والنفسية التي تواجه الأسر بعد الانفصال، وتؤكد أن مصلحة الطفل يجب أن تظل الأولوية في جميع القرارات.
المحاكمات الطويلة وآثارها النفسية على الأطفال
تحذر نادولني من الآثار النفسية التي قد تتركها الإجراءات القضائية الممتدة على الأطفال، إذ قد يشعرون بالإرهاق والقلق، خصوصاً عندما تستمر النزاعات لسنوات. وتشير إلى أنها لاحظت لدى بعض الأطفال علامات واضحة على التعب النفسي، ظهرت أحياناً في نظرات فارغة تعكس صعوبة التجربة التي يمرون بها.
وتؤكد أن الطفل لا ينبغي أن يتحمل تبعات الخلافات الشخصية بين والديه، أو أن يشعر بأنه مضطر إلى الاختيار بينهما. فمثل هذه الضغوط قد تضعه في صراع ولاء مؤلم، يجعله يخشى التعبير عن مشاعره الحقيقية حتى لا يجرح أحد الطرفين.
لذلك، تفضل المحامية البحث عن حلول ودية قبل اللجوء إلى القضاء، والعمل على اتفاقات عملية وسريعة بشأن الحضانة والزيارة والنفقة. كما تشير إلى أن نقص الكوادر في بعض المحاكم الأسرية الألمانية قد يسهم في إطالة الإجراءات وزيادة معاناة الأسر.
مصلحة الطفل أساس القرارات القضائية
ترى نادولني أن مفهوم مصلحة الطفل، رغم أهميته المحورية في قضايا الأسرة، لا يمكن حصره في تعريف واحد يناسب جميع الحالات. فهو يشمل النمو في بيئة صحية ومستقرة، والحماية من النزاعات، والحفاظ على علاقات أسرية آمنة.
ومن أهم ما تشدد عليه ضرورة الفصل بين الخلاف الزوجي ومسؤوليات الأبوة والأمومة، وألا يستخدم أي من الوالدين الطفل وسيلة للضغط أو الانتقام من الطرف الآخر.
وتؤكد أن التقليل من شأن الأب أو الأم أمام الطفل قد يدفعه إلى الشعور بأنه مطالب بالانحياز إلى أحدهما. ولذلك، ينبغي أن يظل التواصل بين الوالدين موجهًا نحو احتياجات الأبناء، بعيدًا عن الاتهامات المتبادلة والصراعات الشخصية.
الأطفال أمام المحكمة: هل يستطيعون التعبير بحرية؟
يمثل الاستماع إلى الأطفال في قضايا الحضانة تحدياً حساساً، خصوصاً عندما يكون الطفل صغير السن أو يعاني ضغوطاً نفسية بسبب النزاع الأسري. وتؤيد نادولني منح الأطفال فرصة للتعبير عن آرائهم، لكنها تشدد على ضرورة التأكد من أنهم يفهمون ما يقولونه، وأن أقوالهم تعكس رغباتهم الحقيقية، لا تأثير أحد الوالدين أو الخوف من رد فعله.
وترى أن مطالبة الطفل بالكشف عن مشاعره خلال دقائق قليلة داخل محكمة رسمية قد تكون تجربة مخيفة. لذلك، تدعو إلى مراعاة عمر الطفل ونضجه النفسي، وإلى إجراء جلسات الاستماع في أماكن مألوفة، مثل المدرسة، متى كان ذلك ممكناً قانونياً وعملياً. كما تؤكد أهمية تأهيل القضاة لفهم الجوانب النفسية المرتبطة بسلوك الأطفال، وقراءة التقارير والخبرات النفسية بعناية، حتى تستند القرارات إلى تقييم شامل لظروف الأسرة واحتياجات الطفل.
الاغتراب الوالدي وخطر التلاعب بمشاعر الأطفال
من المشكلات التي تبرز في النزاعات الأسرية محاولة أحد الوالدين إضعاف علاقة الطفل بالطرف الآخر، سواء من خلال تشويه صورته أمامه أو عرقلة التواصل والزيارات.
وتقر نادولني بإمكان حدوث مثل هذه الحالات، لكنها تؤكد أن كل نزاع يحتاج إلى دراسة مستقلة. فرفض الطفل التواصل مع أحد والديه قد يكون ناتجاً عن التأثير عليه، لكنه قد يرتبط أيضاً بتجارب سلبية أو خوف حقيقي أو شعور بعدم الأمان.
لذلك، ينبغي الاستعانة بالخبرات المتخصصة والأبحاث العلمية عند الحاجة، وتجنب إطلاق الأحكام المسبقة قبل فهم أسباب سلوك الطفل. فالهدف ليس الدفاع عن أحد الوالدين على حساب الآخر، بل الوصول إلى تفسير دقيق يضمن حماية الطفل.
الحضانة والنفقة حقوق تستمر بعد الانفصال
لا تقتصر الخلافات على الحضانة والزيارة، بل تمتد إلى التعليم والنفقة والانتقال إلى مسكن جديد. وتوضح نادولني أن القرارات التعليمية المهمة تخضع لقواعد الولاية الأبوية في ألمانيا، وأن الوالدين اللذين يشتركان في الولاية يتحملان مسؤولية القرارات الجوهرية المتعلقة بأبنائهما.
أما النفقة، فهي حق للطفل ولا تسقط تلقائياً بسبب اعتماد نظام الإقامة المتناوبة بين الوالدين. كما أن فقدان العمل لا يعني بالضرورة الإعفاء من دفعها، إذ تتوقف المسؤولية على الظروف الفردية والقواعد القانونية المعمول بها.
وتشير المحامية أيضاً إلى أن الانتقال إلى مسكن جديد قد يستلزم إبلاغ الوالد الآخر أو التشاور معه، بحسب طبيعة الولاية الأبوية وتأثير الانتقال على الطفل والترتيبات القائمة.
العدالة الأسرية بين القانون والجانب الإنساني
تنتقد نادولني ما تراه أحياناً من تعامل بارد مع قضايا الحضانة، وكأن الأمر يتعلق بنزاع على ممتلكات، لا بمستقبل طفل ومشاعره وعلاقاته الأساسية. وترى أن القضاة مطالبون بالجمع بين تطبيق القانون وفهم الظروف النفسية والاجتماعية لكل أسرة، مع الاستفادة من التقارير العلمية والخبرات المتخصصة. فالقرار القضائي لا يؤثر في ملف قانوني فحسب، بل قد يترك آثاراً طويلة الأمد في حياة الطفل.