درست سهام الهندسة المعمارية في ليبيا، ووصلت في ألمانيا إلى مستوى C2 في اللغة، وخاضت سنوات من إجراءات الشهادة والتدريب ومحاولات دخول سوق العمل. بعد عشر سنوات، تعمل في مكتب للترجمة، وما زالت تسأل إن كان حلم الهندسة سيتحقق يومًا، ولكن ربما في بلد آخر.
كانت سهام طفلة عندما بدأت تتعرف إلى الهندسة قبل أن تعرف اسمها كمهنة. كانت ترافق والدتها، المهندسة المعمارية في ليبيا، وترى عالمًا سيصبح مع السنوات طموحها الشخصي.
درست الهندسة المعمارية في ليبيا، وأمضت عامين في التدريب، وحلمت بمستقبل يجمع بين العمل المكتبي والنزول إلى مواقع المشاريع، ثم بمكتب هندسي خاص بها يومًا ما.
لكن الصراع وعدم الاستقرار في ليبيا غيّرا المسار. فعندما وصلت إلى ألمانيا قبل نحو عشر سنوات، كانت تحمل شهادتها وطموحًا واضحًا. تقول: «كنت أعتقد أن الأرض هنا مفروشة بالورود». سرعان ما اكتشفت أن المسافة بين الشهادة وسوق العمل أطول مما توقعت.
ست سنوات بين اللغة والشهادة والتدريب
بدأت سهام بتعلم الألمانية، وواصلت حتى وصلت إلى مستوى C2. ثم دخلت في إجراءات مرتبطة بشهادتها، وتدربت ستة أشهر في مكتب هندسي، وقدمت لاحقًا طلبات للعمل في شركات. وقد حصلت شهادتها على المعادلة الكاملة والاعتراف الرسمي بها في ألمانيا.
تقول إنها أمضت نحو ست سنوات متنقلة بين تعلم اللغة، وإجراءات الشهادة، والتدريب في مكاتب، ومحاولات بناء طريق للعودة إلى تخصصها.
لم تكن هناك عقبة واحدة. تتحدث سهام عن البيروقراطية واللغة ومتطلبات المهنة والخبرة وبناء العلاقات المهنية. كما تقول إن بعض المعاملات كانت تستغرق وقتًا أطول مما توقعت.
وقدمت طلبات عديدة للعمل، خصوصًا لدى شركات أكبر، لكن كثيرًا منها لم يؤدِّ إلى فرصة. وفي حالات تقول إنها لم تتلقَّ ردًا أصلًا.
ومن بين كل تلك المحاولات، تتذكر سهام تحديدًا طلبًا تقدمت به لمكتب هندسي كانت تعلّق عليه أملًا كبيرًا، بعد أن بدا لها في المقابلة الأولى أن فرصتها جيدة. انتظرت الرد أسابيع، ثم جاء الرفض من دون تفسير. تقول إن تلك اللحظة تحديدًا جعلتها تبدأ فعليًا بالتفكير في الترجمة كمسار بديل.
تعتقد سهام أن كونها أجنبية جعل الوصول إلى بعض الفرص أكثر صعوبة، لكنها لا تملك دليلًا يثبت أن أصلها كان سبب رفض طلباتها، ولا تعرف المعايير التي حسمت الاختيار في الحالات التي لم تُقبل فيها.
وهذا التفريق مهم: ما تستطيع قصتها إثباته هو أنها تعلمت اللغة إلى مستوى متقدم، وخاضت التدريب وإجراءات الشهادة وقدمت إلى وظائف، لكنها لم تصل في النهاية إلى المسار المهني الذي كانت تتصوره.
بلد يحتاج إلى الكفاءات
تأتي تجربة سهام وسط تحول أكبر في سوق العمل الألماني. فقد أعلنت وكالة العمل الاتحادية في يوليو/تموز 2026 أن نمو التوظيف منذ عام 2024 أصبح مدفوعًا بالكامل بالعاملين الأجانب، في ظل تقلص عدد الألمان في سن العمل نتيجة التحول الديموغرافي.
وفي المقابل، تكشف بيانات المكتب الاتحادي للإحصاء أن المهاجرين لا يصلون إلى ألمانيا من دون مؤهلات بالضرورة؛ ففي عام 2025 كان 33 في المئة من المهاجرين أنفسهم بين 25 و34 عامًا يحملون مؤهلًا أكاديميًا، وهي نسبة قريبة جدًا من إجمالي السكان في الفئة العمرية نفسها، البالغة 34 في المئة.
لكن حمل الشهادة والوصول إلى الوظيفة المناسبة لها أمران مختلفان. وفي حالة الهندسة المعمارية، هناك أيضًا تعقيد قانوني مهم: لقب «مهندس/ة معماري/ة» محمي في ألمانيا، ويتطلب استخدامه المهني الرسمي التسجيل في قائمة المهندسين المعماريين واستيفاء شروط تحددها الولاية المختصة، ومنها فحص المؤهل والخبرة المهنية. وفي الوقت نفسه، توضح البوابة الحكومية للاعتراف بالمؤهلات أنه يمكن في حالات كثيرة العمل داخل مكتب معماري من دون الاعتراف الكامل، ولكن مع قيود على استخدام اللقب وبعض المسؤوليات المهنية.
وهكذا تصبح قصة سهام أكثر تعقيدًا من تفسيرها بعامل واحد: اللغة وحدها لا تفسرها، ولا البيروقراطية وحدها، ولا يمكن إثبات التمييز من طلبات عمل لم تنجح.
من الهندسة إلى المطعم… ثم الترجمة
لكن السنوات التي يحتاجها الإنسان لإعادة بناء مساره المهني ليست سنوات معلقة خارج الحياة. إذ كان على سهام أن تدفع الإيجار والتأمين وتؤمّن نفقات معيشتها. تقول إنها لا تعتمد على إعانات الدولة، ولذلك عملت في مطعم، ثم انتقلت إلى الترجمة، حيث تعمل اليوم في مكتب. وعندما تُسأل عن شعورها وهي تحمل شهادة في الهندسة وتعمل بعيدًا عنها، تختصر الإجابة بكلمتين: «محزن ومخيّب للآمال».
لكنها تستدرك أيضًا أن العمل في الترجمة لم يكن كله خسارة؛ فقد منحها استقرارًا ماليًا لم تكن لتحصل عليه بسهولة لو ظلت تنتظر فرصة في الهندسة، وتقول إنها تشعر برضا حقيقي، وإن كان غير كافٍ، لكونها تعمل بلغتين تتقنهما وتساعد آخرين على التواصل. ولا تحاول اليوم أن تشرح نفسها مهنيًا لكل من يسألها. تقول إن من الصعب اختصار تجربة وحلم امتدا سنوات في دقائق قليلة.
الجنسية… ولكن ربما للعمل في مكان آخر
لم تختفِ الهندسة من خطط سهام. لكن الذي تغير هو المكان. فهي تأمل في الحصول على الجنسية الألمانية، وتفكر بعدها في البحث عن فرصة مهنية في بلد آخر، مستفيدة من شهادتها ومن الألمانية والإنجليزية اللتين أصبحت تتقنهما.
وتقول إنها لو عرفت يوم وصولها ما تعرفه الآن عن طول الطريق وصعوبة الوصول إلى فرص في مجالها، ربما كانت ستختار بلدًا آخر لبناء مستقبلها المهني.
تجربة سهام حالة فردية، ولا يمكن تعميمها على سوق يضم ملايين العاملين الأجانب. كما أن ألمانيا اعترفت في عام 2024 بنحو 79,100 مؤهل مهني أجنبي، بزيادة 21 في المئة عن العام السابق، بحسب Destatis.
لكن حالتها تفتح سؤالًا أكثر تحديدًا من نجاح الهجرة أو فشلها: ماذا يحدث عندما يصل صاحب مؤهل جامعي إلى سوق جديد، ثم لا يجد طريقًا إلى المهنة التي تدرب عليها؟
تفتح سهام الآن ملف الترجمة على شاشتها، وتترك درج الرسومات القديم مغلقًا كما هو. حين سُئلت إن كانت ما تزال تحلم بالهندسة، صمتت قليلًا، ثم قالت: «الحلم لم يمت، هو فقط ينتظر مكانًا آخر ليتحقق فيه».