Skip to main content

الحنين لا يكفي.. عقبات تمنع عودة اللاجئين السوريين

إطلالة عامة على العاصمة السورية دمشق التي عانت من سنوات طويلة من الحرب، مما يفرض اليوم تحديات اقتصادية ومعيشية كبرى تقف عائقاً أمام اللاجئين الراغبين بالعودة. Foto: Moawia Atrash/dpa
إطلالة عامة على العاصمة السورية دمشق التي عانت من سنوات طويلة من الحرب، مما يفرض اليوم تحديات اقتصادية ومعيشية كبرى تقف عائقاً أمام اللاجئين الراغبين بالعودة. Foto: Moawia Atrash/dpa

رغم مرور سنوات على مغادرة كثير من السوريين بلادهم واستقرارهم في دول أوروبية، لا يزال الحنين إلى المدن والقرى التي تركوها حاضراً في حياتهم اليومية. غير أن الرغبة في العودة لا تعني بالضرورة القدرة على اتخاذ قرار العودة والاستقرار من جديد. فبينما يتطلع بعض السوريين إلى استعادة حياتهم في وطنهم، تصطدم هذه الرغبة بجملة من التحديات، أبرزها الوضع الاقتصادي الصعب، وارتفاع تكاليف المعيشة، ومحدودية فرص العمل، وضعف الخدمات الأساسية، فضلاً عن اختلاف الظروف بين من غادروا البلاد أفراداً وبين من أصبحوا مسؤولين عن أسر وأطفال نشأوا في أوروبا..!

الحنين وحده لا يكفي للعودة

رامي أبو الهيجا سوري من دمشق يقيم في مدينة كولن الألمانية منذ عام 2015، يقول : “اشتاق يومياً إلى مدينتي، إلا أن هذا الاشتياق لا يكفي وحده لاتخاذ قرار العودة، فقد ولدتُ في حي الصالحية الدمشقي، ونشأت وترعرعت فيه. فدمشق ليست مدينتي فقط، بل هي روحي وأهلي وذكرياتي كلها هناك. ولذلك فإن فكرة العودة بالنسبة لي ليست مرفوضة من حيث المبدأ، لكن المشكلة أنني لا أجد جواباً لسؤالي : كيف يمكنني أن أبدأ حياة مستقرة في وطني من جديد؟

ويرى أبو الهيجاء أن الظروف المعيشية في دمشق، إلى جانب ارتفاع أسعارالمواد الأساسية والخدمات، تجعل قرار العودة أكثر تعقيداً، خصوصاً بالنسبة إلى الأشخاص الذين اعتادوا خلال سنوات إقامتهم في أوروبا على نمط مختلف من الاستقرار والعمل، ويضيف : “لا أستطيع أن أعود فقط لأنني أريد العودة. أنا بحاجة إلى مصدر دخل، ومسكن، وخدمات أساسية، وشعور بأنني قادر على إعالة نفسي”.

بين الاستقرار في المهجر وصعوبة البداية في الوطن

يعمل أبو الهيجا في ألمانيا في مجال المحاسبة، ويتمتع بدخل منتظم وتأمين صحي وحياة مستقرة إلى حد ما، وهو ما يجعل المقارنة بين حياته الحالية والظروف الاقتصادية التي يتابعها من خلال أهله وأصدقائه في دمشق عاملاً أساسياً في تردده بشأن العودة.

ويرفض أبو الهيجا اختزال أسباب عدم العودة في اعتياد السوريين على الحياة الأوروبية، معتبراً أن هذا التصور يتجاهل واقعاً أكثر تعقيداً. ويؤكد أن حبه لدمشق ورغبته في العيش فيها لم يتغيرا، لكنه يريد في المقابل أن يعرف كيف سيتمكن من تأمين حياة مستقرة له في حال عاد ؟ ويتابع قوله : “بعض الألمان يعتقدون أن السوريين لا يريدون العودة لأنهم اعتادوا على الحياة الأوروبية، وهذا اعتقاد خاطئ، أنا أحب دمشق وأتمنى أن أعيش فيها، لكنني أريد أن أعرف أولاً: كيف سأعيش عندما أعود إليها.؟”

يختم حديثه : ” إذا تحسنت الظروف الاقتصادية، وتوفرت فرص العمل، وأصبحت الخدمات الأساسية أكثر استقراراً، فسأكون أول شخص يفكر جدياً في العودة، فالعودة بالنسبة لي ليست مستحيلة، لكنها تحتاج إلى ظروف تجعلها قابلة للحياة والاستمرار”.

معادلة أكثر تعقيداً

ولا تقتصر صعوبة قرار العودة على الوضع الاقتصادي وحده، إذ تواجه العائلات السورية في ألمانيا تحديات إضافية تتعلق بالأطفال والتعليم ومستقبل الأسرة فمحمد النجار، المقيم في مدينة ديسبورغ، يؤكد أن العودة إلى حلب ليست خياراً سهلاً بالنسبة إليه، خصوصاً أن لديه ابنة تستعد لشهادة الثانوية العامة، إضافة إلى طفلين في العاشرة والسادسة من العمر، وُلدا في ألمانيا ولا يجيدان اللغة العربية.

ويرى النجار أن عودة الأسرة إلى سوريا ستضع الطفلين أمام تحديات تعليمية كبيرة، إذ سيحتاجان أولاً إلى تعلم القراءة والكتابة باللغة العربية، قبل أن يتمكنا من الاندماج في صفوف دراسية تتناسب مع أعمارهما، ويقول إن قرار العودة بالنسبة إلى العائلات يختلف عن قرار الفرد، لأن رب الأسرة لا يفكر في مستقبله وحده، بل في مستقبل أطفاله وتعليمهم وقدرتهم على التأقلم مع بيئة جديدة بعد سنوات من الحياة في ألمانيا.

خسارة للمكتسبات

بالنسبة إلى سيدرا حداد، المقيمة في دوسلدورف، فإن العودة إلى حلب تعني أيضاً التخلي عن مسار تعليمي ومهني بنته خلال سنوات إقامتها في ألمانيا، تذكر سيدرا ذات 22 ربيعاً أنها أتت إلى ألمانيا وعمرها آنذاك اثني عشرعاماً، وحالياً تُواظِب سيدرا على الدراسة في مجال التجميل بمدرسة مهنية، كما تعمل في مجال الحراسة الأمنية بمدينة دوسلدورف في مقاطعة شمال الراين، وترى أن العودة في الظروف الحالية، تعني فقدان المكتسبات التي حققتها في ألمانيا، خصوصاً في ظل ما تصفه بصعوبة الوضع الاقتصادي ونقص فرص العمل والخدمات في حلب. وتشير إلى أن الحي الذي كانت تقيم فيه تعرض لدمار واسع خلال الحرب، الأمر الذي يجعل فكرة العودة والاستقرار أمراً بالغ الصعوبة بالنسبة إليها.

الإعاقة تحدٍ آخر

أما مازن عبد اللطيف، وهو أحد السوريين الذين غادروا البلاد بعد تعرضه لإصابة بالغة تسببت له بإعاقة جسدية نتيجة قصف نظام الأسد على مدينة إدلب عام 2014، فينظر إلى مسألة العودة من زاوية مختلفة، فقد غادرعبد اللطيف سوريا ووصل إلى ألمانيا عام 2016، حيث أصبح يعتمد على منظومة من الرعاية والخدمات التي تساعده وعائلته على مواجهة ظروف الحياة، في ظل عدم قدرته على العمل بسبب إعاقته، فهويطرح سؤالاً أساسياً قائلاً : “إذا قررت العودة وعائلتي إلى سوريا، فمن سيتكفل بتغطية نفقاتنا؟”.

ويشير إلى أن غياب مصادر دخل مستقرة وضعف القدرة على توفير الدعم والخدمات اللازمة لذوي الإعاقة يجعل العودة بالنسبة إليه مغامرة كبيرة، خصوصاً أنه أصبح يعتمد كلياً على نظام الرعاية والدعم المتاح في ألمانيا.

تقارير أممية صادمة

وفق تقارير ومتابعات أممية، تأتي هذه الشهادات في وقت لا تزال فيه الظروف الاقتصادية والمعيشية والخدمات الأساسية في سوريا تشكل تحدياً أمام استقرار العائدين، ، وتشير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بحسب تقريرها الصادرعام 2026 حول الوضع في سوريا، إلى أن الفقر ومحدودية فرص العمل، وصعوبة الوصول إلى الخدمات الأساسية والمساعدات، لا تزال من أبرز التحديات التي تواجه السوريين العائدين.

وبين حنين لا ينقطع إلى الوطن وواقع اقتصادي ومعيشي لا يزال يفرض شروطه، تبدو العودة بالنسبة إلى كثير من السوريين قراراً مرتبطاً بمدى القدرة على بناء حياة مستقرة ومستدامة، وليس بمجرد الرغبة في العودة، فالعودة بالنسبة إليهم، ليست مجرد عبور للحدود في اتجاه الوطن، وإنما بداية حياة جديدة تحتاج إلى مقومات تضمن استمرارها.

عدنان كدم

أمل باللغة الألمانية

يلا