في خضم النقاش المتصاعد حول علاقة شركات الذكاء الاصطناعي بحقوق الملكية الفكرية، كشف بائع الكتب القديمة البرليني أوربان تسيرفاس أن طلبيات إلكترونية تتدفق على متجره آلياً في منتصف الليل، تستهدف كتباً علمية متخصصة لم يطلبها أحد منذ سنوات. كانت الطلبيات تصل في دقائق متتالية، تُدفع مسبقاً عبر منصة ABE Books، وتُشحن إلى عنوان في كندا. وكان اللافت أن تكاليف الشحن والجمارك تبلغ 40 يورو لكتاب ثمنه 5 يورو فقط، وبلغت قيمة الطلبيات في متجره وحده مبلغاً في الخانة الخمسة الأرقام.
الشك يتحول إلى يقين
قال تسيرفاس لـ NDR: “الاشتباه كان فورياً، لا يمكن أن يكون إنساناً طبيعياً وراء هذا. كانت عشوائية العناوين المطلوبة لافتة للانتباه جداً.” وأضاف أن المطلوب كان “كتباً جيدة لكن لا يهتم بها أحد منذ سنوات.” ولم يكن تسيرفاس وحده؛ إذ شهد يورغ ميفيس من “برغيشه بوخرشتوبه” في أوفيراث ظاهرة مشابهة، وسرعان ما انتشر الخبر بين الباعة كالنار في الهشيم.
برنامج سري تكشفه واشنطن بوست
كشفت صحيفة واشنطن بوست عن برنامج سري أطلقته شركة Anthropic الأمريكية للذكاء الاصطناعي تحت اسم “Project Panama”، يعتمد على ماسح ضوئي عالي السرعة يفصل صفحات الكتب عن أغلفتها ويمسحها ضوئياً قبل إتلاف الأصول. ووصفت الصحيفة هذا الأسلوب بـ”التدميري.” وعندما علم تسيرفاس بذلك قال: “لا يرغب أي بائع في تسليم نسخ جميلة ذات قيمة ومكانة ليُحكم عليها بالإتلاف.”
انتهاك صريح للقانون الألماني
انتقد اتحاد الناشرين والكتّاب الألمان هذه الممارسة بشدة. وقال المتحدث توماس كوخ لـ NDR: “في نظرنا هذا انتهاك صريح لحقوق الملكية الفكرية. بموجب القانون الألماني لا يمكن مسح الكتب ضوئياً بأي غرض كان.” غير أن المشكلة تكمن في أن القانون المعمول به هو قانون البلد الذي يجري فيه المسح والإتلاف. وفي الولايات المتحدة يُعدّ تفكيك الكتب المشتراة “استخداماً عادلاً” لأنها أصبحت ملكاً للشركة بعد الشراء.
شبكة مكتبات الظل تُغذّي نماذج الذكاء الاصطناعي
تنتهي الكتب بعد مسحها ضوئياً على خوادم شركات التقنية الكبرى عبر ما يُعرف بـ”مكتبات الظل” كـLibGen وBetter World Books والبريطانية World of Books. ولم تردّ كل من ABE Books وZoom Books على استفسارات NDR. وفي السياق ذاته، ترصد اتحاد الناشرين قضية رفعتها مجموعة Penguin Random House ضد OpenAI بعد أن أعادت منظومتها إنتاج كتاب أطفال كاملاً حرفياً بمجرد طلب بسيط.
سؤال مفتوح يؤرق عالم النشر
تكشف هذه الوقائع مجتمعةً عن فجوة قانونية واسعة بين ما تُجيزه قوانين الملكية الفكرية الأمريكية وما تحظره نظيراتها الأوروبية. وما لم تتحرك التشريعات الدولية لسد هذه الفجوة، فإن تراث البشرية المكتوب قد يجد نفسه وقوداً لنماذج ذكاء اصطناعي دون أن يحظى أصحابه بأي اعتراف أو تعويض.