كان يجلس هادئاً قرب المحطة بانتظاري، يبدو عليه القلق، فلديه درس ولا يريد أن يتأخر. ملامحه توحي بأنه كبُر قبل أوانه، ربما لأن الحياة التي عاشها لم تكن تشبه عمره أبداً. فحين يسأل الناس إسماعيل عن عمره، لا يصدق كثيرون أنه لم يتجاوز الثامنة عشرة. يبتسم أحياناً حين يسمع تخميناتهم، لكنه يدرك أن السنوات التي عاشها كانت كافية لتجعله يبدو أكبر بكثير من شاب في مقتبل حياته.
وصل إسماعيل إلى ألمانيا قاصراً، وحيداً، بعد رحلة طويلة بدأت من سوريا، مروراً بتركيا، ثم عبر عدة دول أوروبية قبل أن تنتهي في ألمانيا. اليوم، وبعد نحو عامين من وصوله، يجد نفسه أمام واقع مختلف عمّا تخيله حين غادر كل شيء خلفه بحثاً عن فرصة جديدة. “كنت أعتقد أنني عندما أصل إلى ألمانيا سأبدأ حياة جديدة مثل أي شاب آخر، أدرس وأبني مستقبلي. لكن القرار الذي وصلني غيّر كل شيء”.
القرار الذي يتحدث عنه هو رفض طلب الحماية وإبلاغه بضرورة مغادرة ألمانيا خلال ثلاثين يوماً، وهو قرار لم يكن يتوقعه بعد كل ما مر به منذ طفولته.
طفولة انتهت مبكراً
غادر إسماعيل سوريا وهو ما يزال صغيراً. في عمرٍ كان يفترض أن يكون فيه في المدرسة، أو في ملعب كرة قدم، أو قرب عائلته. وبدلاً من ذلك، وجد نفسه وحيداً في إسطنبول وبعيداً عن عائلته منذ سنوات مراهقته الأولى. هناك بدأ العمل في سن الرابعة عشرة. “كنت أعمل من الثامنة صباحاً حتى السادسة مساءً، ثم أبدأ عملاً إضافياً حتى الثالثة فجراً. كنت أنام في مكان العمل وأستيقظ لأكمل اليوم نفسه من جديد”.
لم تكن سنوات العمل الشاق هي الصعوبة الوحيدة. فبحسب روايته، لم يكن يمتلك أوراقاً رسمية ما يجعل التنقل بحرية أمراً خطيراً قد يصل حدّ الترحيل من تركيا، ما جعله يعيش حياة شبه مغلقة.
بالنسبة له لم تكن إسطنبول بحراً ولا شوارع مزدحمة ولا حياة جديدة، بل ورشة عمل طويلة، وغرفة نوم مؤقتة. “أربع سنوات تقريباً لم أكن أعرف شيئاً عن إسطنبول. كنت أعمل فقط”. وبسبب ذلك التضييق كان لديه هدف واحد، وهو جمع المال للخروج من هذه الدائرة. يقول: “جمعت كل ما استطعت، واستدنت فوقه أيضاً، فقط لأتمكن من دفع تكاليف الطريق إلى ألمانيا”.
خمسة وعشرون يوماً في الغابات
لكن الطريق إلى أوروبا بالنسبة لشاب لم يبلغ الثامنة عشرة لم يكن أقل قسوة. فرحلة إسماعيل التي استمرت نحو خمسة وعشرين يوماً عبر الغابات والحدود لا يمكن أن تنسى. مرّ خلالها ببلغاريا وصربيا والمجر والنمسا قبل أن يصل إلى ألمانيا. “في الأيام الأخيرة لم يعد لدينا طعام ولا ماء. وصلنا إلى مرحلة لم نعد نستطيع التقدم أو العودة”. “كما تعرضت للضرب على الحدود التركية والصربية، واحتُجزت مع آخرين ثلاثة أيام في صربيا قبل أن أواصل رحلتي. في إحدى المراحل اضطررنا للتخلص من أمتعتنا حتى نستطيع متابعة السير. لم نعد قادرين على حمل أي شيء”.
الوصول إلى ألمانيا
حين وصل إسماعيل إلى ألمانيا كان يبلغ السابعة عشرة من عمره. يتذكر الساعات الأولى قائلاً إن الشرطة أوقفته وأجرت له تفتيشاً روتينياً، ثم تركته في الشارع. ووجد نفسه مضطراً للبحث بنفسه عن المكان الذي يمكن أن يقدم فيه طلب اللجوء.
بعد ذلك نُقل إلى مركز استقبال، ثم إلى سكن مخصص للقاصرين غير المصحوبين بذويهم. هناك بدأت مرحلة جديدة من حياته. “كان هناك مشرفون يتابعون كل شيء. كانوا يساعدوننا في المواعيد، ويأخذوننا إلى الدوائر الرسمية والمحاكم، ويحاولون حل أي مشكلة تواجهنا”. ورغم صعوبة الحياة في مراكز الإيواء، يتحدث إسماعيل بإيجابية عن تلك المرحلة. “لم أشعر بسوء معاملة أو عنصرية. كانوا يساعدوننا قدر ما يستطيعون”.
اللغة كمشروع حياة
منذ الأيام الأولى لوصوله، ركز إسماعيل على تعلم اللغة الألمانية. كان يطلب باستمرار التسجيل في المدرسة والدورات التعليمية. “كنت أقول لهم كل يوم تقريباً إنني أريد الدراسة”. وتعلم جزءاً كبيراً من اللغة بنفسه عبر الهاتف والإنترنت، قبل أن يلتحق ببرامج تعليمية رسمية.
اليوم يدرس في مدرسة تحضيرية للتدريب المهني ويعمل في وظيفة بسيطة (Mini Job)، ويخطط للالتحاق بتدريب مهني في مجال رعاية المسنين. ويقول إن كثيراً من الأشخاص الذين التقاهم كانوا يستغربون مستوى لغته مقارنة بمدة إقامته. “كانوا يقولون لي إن هناك أشخاصاً يعيشون هنا منذ أربع أو خمس سنوات ولم يتعلموا اللغة بهذا الشكل”.
أمام المحكمة
لكن الطريق نحو الاستقرار لم يكن سهلاً. خضع إسماعيل لجلسات استماع وتحقيقات عدة ضمن إجراءات اللجوء. “سألوني عن كل شيء. لماذا خرجت من سوريا؟ لماذا كنت وحدك؟ ماذا فعلت في تركيا؟ كيف وصلت إلى ألمانيا؟”. ويضيف أن الأسئلة تناولت جميع تفاصيل حياته تقريباً. “كانوا يعرفون الكثير من التفاصيل، لكن كان عليّ أن أرويها بنفسي”.
يقول إنه تحدث عن الأسباب الأمنية والاقتصادية التي دفعته إلى مغادرة سوريا، وعن الظروف التي عاشها قبل وصوله إلى ألمانيا. لكن النتيجة جاءت مختلفة عما كان يتوقع. “قالوا إن سوريا أصبحت بلداً آمناً”. وبعد ذلك تلقى قرار الرفض.
قضية تتجاوز إسماعيل
قصة إسماعيل ليست حالة فردية. فبحسب البيانات المتاحة، تقدم نحو 13,344 قاصراً غير مصحوب بذويه بطلبات لجوء في ألمانيا خلال عام 2024، بينما سُجل 4,926 طلباً جديداً خلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2025. يعيش حالياً أكثر من 40 ألف قاصر وشاب تحت رعاية مكاتب رعاية الشباب الألمانية (Jugendamt). ويشكل السوريون النسبة الأكبر بينهم، بنحو 42%، يليهم القادمون من أفغانستان والصومال.
حتى نهاية عام 2024 كانت نسبة قبول طلبات الحماية للقاصرين غير المصحوبين مرتفعة للغاية، إذ تجاوزت 91%، وحصل آلاف القاصرين على صفة لاجئ أو أشكال أخرى من الحماية. إلا أن الأشهر الأولى من عام 2025 شهدت تغيراً ملحوظاً في تقييم طلبات السوريين، مع تراجع واضح في نسب منح الحماية مقارنة بالسنوات السابقة.
مستقبل مجهول
اليوم ينتظر إسماعيل نتيجة الطعن الذي قدمه على القرار. ورغم محاولته الاستمرار في الدراسة والعمل، فإن حالة من عدم اليقين تسيطر على حياته. حين يُسأل عما ينتظره إذا أُجبر على العودة، يتوقف قليلاً قبل أن يجيب: “لا أعرف”. ثم يضيف: “خرجت من سوريا وأنا صغير. لا أعرف كيف سأبدأ حياتي هناك. لا أعرف ماذا ينتظرني”.
ويقول إن كثيراً من القاصرين الذين وصلوا معه تلقوا قرارات مشابهة خلال الفترة الأخيرة. رغم أن أغلبهم كانوا يحاولون الالتزام بالقوانين وتجنب أي مشاكل خوفاً من تأثير ذلك على ملفاتهم. “حتى إذا أساء لنا أحد في الشارع، كنا نتجاهل الأمر حتى لا تُسجل علينا مشكلة”.