منذ 75 عاماً، باشرت المحكمة الدستورية الاتحادية في ألمانيا عملها، وأسهمت أحكامها على مدى عقود في رسم ملامح البلاد. وفي مدينة كارلسروه، يُقام احتفال رسمي لتكريم هذه المؤسسة ودورها.
وتقول سوزانه باير، التي شغلت منصب قاضية في المحكمة الدستورية الاتحادية لمدة 12 عاماً، إن أجواءً من التوتر تسود المكان في كل مرة: «الجلسة العلنية أو إعلان الحكم هو الظهور بالأردية الحمراء، وهذا بحد ذاته يوم مميز». إذ باتت هذه الأردية الحمراء علامة مميزة للمحكمة، فيما يدرك من يرتديها حجم المسؤولية المرتبطة بهذه المهمة، وفق باير.
كارلسروه تقول الكلمة الفصل
وفقاً لموقع Tagesschau الإخباري، منذ تأسيس المحكمة الدستورية الاتحادية في 28 سبتمبر/أيلول 1951، ظلت مدينة كارلسروه صاحبة الكلمة الفصل في القضايا المتعلقة بالقانون الأساسي، والحقوق الأساسية، وطبيعة نظام الدولة الألمانية.
وتشبّه سوزانه باير المحكمة بـ«حَكَم المباراة» الذي يطلق صافرته عندما تُرتكب مخالفة، وذلك في الفيلم الوثائقي الذي بثته القناة الأولى الألمانية «لحظات مصيرية في تاريخ الجمهورية». كما توضح أن المحكمة تضمن قدرة المجتمع بأسره على التحرك بحرية، وألا تخرج «الكرة» عن حدود الملعب.
رد على تعسف الدولة في الحقبة النازية
عندما بدأ المجلس البرلماني، في سبتمبر/أيلول 1948، صياغة القانون الأساسي لجمهورية ألمانيا الاتحادية، لم يكن تشبيه كرة القدم هذا حاضراً بالتأكيد في أذهان أعضائه. لكن أحد الأفكار المركزية التي حملها واضعو القانون الأساسي كان ضرورة توفير حماية للمواطنين من تعسف الدولة، بعد التجربة التي عاشتها البلاد في الحقبة النازية، بمعنى آخر فقد كان الهدف منع تكرار حالة انعدام حقوق المواطنين التي سادت في عهد الرايخ الثالث.
ولهذا، نص القانون الأساسي على إنشاء المحكمة الدستورية الاتحادية باعتبارها جهة رقابة محايدة، ومنحها صلاحيات واسعة. فبإمكانها إلغاء القوانين ونقض أحكام قضائية، كما تتولى مراقبة الالتزام بقواعد القانون الأساسي، والحد من تغوّل السلطة، وحماية الأقليات. لكن المحكمة في المقابل ليست جهة لصنع السياسة، فقد حذّر أول رئيس لها، هيرمان هوبر-آشوڤ، خلال مراسم افتتاح المحكمة، من الوقوع في فخ السلطة ولعب دور المشرع والحاكم، قائلاً: «لا ينبغي أن ننجر إلى لعب دور المشرّع بأنفسنا».
وعلى مدى 75 عاماً، ظل هذا التوازن موضع نقاش متكرر. ففي أحيان كثيرة، وجه سياسيون انتقادات إلى المحكمة متهمين إياها بالتدخل المفرط في الشأن السياسي، كما حدث في قضايا احتساب مخصصات «هارتس 4»، وقانون الانتخابات، والضوابط المتعلقة بسياسة المناخ. لكن الانتقادات جاءت أحياناً من الاتجاه المعاكس، حين رأى منتقدون أن المحكمة لم تتدخل، أو لم تتدخل بما يكفي، وأنها منحت السياسيين هامشاً واسعاً للتحرك، كما حدث خلال جائحة كورونا.
المساواة بين الرجال والنساء: الدستور يُترجم إلى واقع
تُعد المحكمة الدستورية الاتحادية مؤسسة غير مسبوقة في تاريخ ألمانيا، وقد أسهمت خلال العقود السبعة والنصف الماضية في تشكيل المجتمع والدولة. ومن أبرز الأمثلة على ذلك قضية المساواة بين الرجال والنساء. فالقانون الأساسي ينص على أن الرجال والنساء متساوون في الحقوق، لكن القوانين المعمول بها في ألمانيا الاتحادية الفتية خلال خمسينيات القرن الماضي كانت ما تزال تسير في اتجاه مختلف.
فبموجب القانون المدني الألماني، كان للأب، على سبيل المثال، القرار النهائي في الخلافات داخل الأسرة. وفي عام 1959، ألغت المحكمة الدستورية ما كان يُعرف بـ«القرار الأبوي الحاسم»، مؤكدة بذلك أن ما ينص عليه القانون الأساسي من مساواة ليس مجرد نص على الورق. وتوالت بعد ذلك أحكام أخرى عززت مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة.
مواطن واحد يمكنه إسقاط قانون
في كارلسروه، يمكن لأي مواطن أن يلجأ إلى المحكمة الدستورية. وهذا يعني أن شخصاً واحداً قد يتمكن من إسقاط قانون بأكمله إذا رأى أنه ينتهك حقوقه الأساسية.
فمثلاً كان حظر ارتداء الحجاب على المعلمات إحدى القضايا التي وصلت إلى المحكمة. وخلص القضاة إلى أن فرض حظر شامل على ارتداء الحجاب لا يتوافق مع حرية الدين. ومن القضايا التي أثارت مشاعر قوية أيضاً دعوى تقدم بها هيلموت فيلدمان وعدد من الأشخاص المصابين بأمراض خطيرة، احتجاجاً على حظر المساعدة على الانتحار. وفي النهاية، وتحديداً فبراير/شباط 2020، أكدت المحكمة الدستورية الاتحادية أن للإنسان حقاً في «الموت بقرار ذاتي».
أحكام يُنظر إليها بشيءٍ من الخجل
لكن تاريخ المحكمة لا يخلو أيضاً من أحكام ينظر إليها اليوم بتساؤل حول كيفية التوصل إليها. ففي عام 1957، قضت المحكمة بأن تجريم العلاقات الجنسية بين الرجال يتوافق مع الدستور. وبذلك ظلّت المادة 175 من القانون الجنائي الألماني، التي كان النازيون قد شددوا العقوبات بموجبها بشكل كبير، سارية لفترة طويلة في جمهورية ألمانيا الاتحادية.
وقال أندرياس فوسكوله، رئيس المحكمة الدستورية الاتحادية آنذاك، في برنامج تلفزيوني عام 2019: «إن هذا الحكم من الأحكام التي يشعر المرء اليوم، بصفته قاضياً دستورياً، بشيء من الخجل منها».
المحكمة وحدها تملك صلاحية حظر الأحزاب
وبموجب القانون الأساسي، تستطيع المحكمة الدستورية الاتحادية أيضاً إعلان عدم دستورية الأحزاب، في إطار مفهوم «الديمقراطية المحصنة»، إذا توافرت الشروط القانونية لذلك. ويشترط لبدء إجراءات حظر حزب أن يتقدم بطلب بهذا الشأن كل من البرلمان الاتحادي أو مجلس الولايات أو الحكومة الاتحادية.
وفي خمسينيات القرن الماضي، أصدرت المحكمة قرارين بحظر حزبين. ففي عام 1952 حظرت «حزب الرايخ الاشتراكي» (SRP)، وفي عام 1956 حظرت «الحزب الشيوعي الألماني» (KPD). أما محاولات حظر «الحزب القومي الديمقراطي الألماني» (NPD)، فقد فشلت مرتين أمام المحكمة. وفي عام 2017، قضت المحكمة بأن الحزب يتبنى أهدافاً معادية للدستور، لكنها رأت أن حجمه ونفوذه لا يكفيان لفرض حظر عليه، إذ لم تكن هناك في ذلك الوقت خطورة من تمكنه من تنفيذ تلك الأهداف. ولم يقتصر أثر الحكم على قضية تلك الأحزاب بعينها، بل وضع القضاة معايير يمكن الاستناد إليها في إجراءات حظر الأحزاب مستقبلاً.
حماية المحكمة نفسها من تقليص دورها وشل عملها
تحمي المحكمة الدستورية الديمقراطية ودولة القانون في ألمانيا، لكن التطورات التي شهدتها السنوات الأخيرة، إلى جانب التجارب في دول أخرى، أثارت تساؤلات حول مدى الحماية التي تتمتع بها المحكمة نفسها. فماذا يحدث إذا حاولت قوى سلطوية في المستقبل إضعاف المحكمة أو شلّ عملها؟
لمنع حدوث ذلك بسهولة، أقر البرلمان الألماني في عام 2024 مجموعة من القواعد المتعلقة بطريقة عمل المحكمة وبنيتها، وأدرجها في القانون الأساسي. وبذلك جرى تعزيز قدرة المحكمة على حماية نفسها والمؤسسات الديمقراطية.
احتفال بحضور كبار مسؤولي الدولة
اليوم، ستبقى الأردية الحمراء في الخزانة، بينما تحتفل المحكمة الدستورية الاتحادية بمرور 75 عاماً على تأسيسها بحضور القضاة والقاضيات الـ16 ونحو ألف ضيف من قطاع القضاء والسياسة والمجتمع. ومن المقرر أن يلقي الرئيس الألماني فرانك-فالتر شتاينماير الكلمة الرئيسية في الاحتفال، فيما يُنتظر أيضاً حضور المستشار الألماني فريدريش ميرتس وكبار مسؤولي الدولة في مدينة كارلسروه.