في نوفمبر/تشرين الثاني 2004، اجتمعت في هامبورغ صور التقطتها عدسات مصورين من 21 دولة، لتروي حكايات عن مجتمعات وثقافات لا يعرف عنها كثيرون سوى ما تنقله نشرات الأخبار. كانت تلك بداية الأسابيع الثقافية العربية، التي تحولت على امتداد 19 دورة وأكثر من عقدين من أسبوع للتعريف بالفنون العربية إلى مساحة للحوار حول الفن والسياسة والهجرة والهوية والتعايش. وواكبت المبادرة التحولات التي شهدها العالم العربي وانعكاساتها على المجتمع الألماني، في تجربة تجمع بين العمل الثقافي والتطوع والتواصل الإنساني.
شهد مهرجان التصوير العربي الأوروبي، الذي رافق الدورة الأولى، مشاركة 227 مصورًا قدموا 1563 صورة إلى المسابقة، وفق بيان أصدرته جامعة هامبورغ في 29 نوفمبر 2004. وامتدت الفعاليات حتى التاسع من ديسمبر/كانون الأول، وشملت محاضرات وأنشطة تناولت التاريخ والفنون والثقافة العربية.
وجاءت المبادرة بتنظيم من الدكتور محمد خليفة، المحاضر في معهد آسيا وأفريقيا بجامعة هامبورغ، بالتعاون مع اتحاد المصورين العرب. وكان هدفها المعلن تعزيز التفاهم بين الثقافات، والتعريف بالعالم العربي من خلال تجاربه الإنسانية والفنية، بعيدًا عن الأحكام المسبقة والصور النمطية.
لم يكن توقيت الانطلاق بعيدًا عن المناخ السياسي السائد آنذاك، إذ كانت العلاقات بين العالم العربي وأوروبا تتأثر بتداعيات هجمات 11 سبتمبر 2001 والحرب على العراق عام 2003، وما رافقهما من نقاشات حول الإسلام والهجرة والاندماج. وفي هذا السياق، اكتسبت المبادرات الثقافية أهمية إضافية باعتبارها إحدى وسائل التواصل المباشر بين المجتمعات.

من أسبوع ثقافي إلى برنامج متعدد الفعاليات
في عام 2005، أقيمت الدورة الثانية برعاية عمدة هامبورغ آنذاك أولي فون بويست، تحت شعار «صور عن العالم العربي» (Arabienbilder). وشارك فيها فنانون ومصورون من اليمن والسعودية والكويت وقطر، إلى جانب معارض للحرف اليدوية الجنوبية العربية والمشغولات الفضية اليهودية، وعروض موسيقية وندوات أدبية.
وفي عام 2006، تولّت أربع جهات كنسية تنظيم الدورة، بمشاركة جماعات دينية، ضمن فعاليات تناولت ثقافات الشرق الأوسط وأقلياته الدينية والعرقية. ومن أبرز محطاتها حفل موسيقي جمع موسيقيين عربًا ويهودًا، واختُتم البرنامج بصلاة مشتركة من أجل السلام في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية.
لاحقًا، أصبح متحف هامبورغ للإثنولوجيا شريكًا في تنظيم الفعاليات. وفي عام 2008، حظي اليمن باهتمام خاص من خلال محاضرات وعروض سينمائية تناولت تاريخه وتقاليده وحياة النساء فيه.

عندما دخلت قضايا المجتمع إلى البرنامج
في عام 2009، شهدت ألمانيا حادثة مقتل المصرية مروة الشربيني داخل محكمة في مدينة دريسدن، وهي جريمة أثارت نقاشًا واسعًا حول العنصرية والتمييز ضد المسلمين. وفي 13 سبتمبر 2009، ضمن الأسابيع الثقافية، تناولت محاضرة للبروفيسور أودو شتاينباخ ضرورة مراجعة المجتمع الألماني لمواقفه تجاه العرب والمسلمين.
عكست هذه النقاشات تحولًا في طبيعة المبادرة؛ فقد أصبحت الثقافة، إلى جانب التعريف بالفنون والعادات، مدخلًا لمناقشة السياسة والدين والهوية، والصور النمطية التي تؤثر في العلاقات بين الناس.

الربيع العربي يغيّر طبيعة النقاش
شكّلت انتفاضات الربيع العربي عام 2011 نقطة تحول أخرى، إذ دخلت قضايا التغيير السياسي وحقوق النساء والمجتمع المدني ومستقبل الديمقراطية إلى النقاشات، إلى جانب الفنون والأدب. وتناولت الفعاليات تجارب تونس بعد الثورة، والتحولات التي شهدتها مصر، ودور النساء في الحركات الاجتماعية والسياسية.
وفي عام 2012، اتسع البرنامج ليضم 28 فعالية عامة، بينها عروض سينمائية ونقاشات وأنشطة عائلية، تناولت موضوعات العلمانية والإسلام السياسي وحماية الأقليات.
أما في عام 2013، فقد احتفلت المبادرة بعامها العاشر ببرنامج ضم 34 فعالية خلال ثلاثين يومًا، تحت عنوان «المرأة في المجتمع العربي». وامتد البرنامج من وصف أوضاع المرأة الاجتماعية إلى مشاركتها في التحولات السياسية، وما تواجهه من تحديات في الحقوق والتمثيل والمشاركة العامة.
وفي مقابلة نشرتها صحيفة تاتس الألمانية آنذاك، تحدث محمد خليفة عن تطور المبادرة، موضحًا أنها بدأت بأسبوع يركز على الصور والأفلام، قبل أن تتوسع لتشمل الحفلات الموسيقية وورش العمل والمحاضرات والنقاشات. وبذلك تحوّل الجمهور من مشاهد لثقافة مختلفة إلى شريك في حوار حول التحولات التي تشهدها المجتمعات العربية.

الهجرة واللجوء في قلب الفعاليات
مع تصاعد موجات اللجوء إلى ألمانيا، ولا سيما نتيجة الحرب السورية، اتجهت الأسابيع الثقافية إلى معالجة قضايا الهجرة والاندماج والتنوع. وحملت دورة 2015 شعار «الهجرة والاندماج والتنوع»، وتضمنت مشروعًا شارك فيه نحو أربعين طفلًا وشابًا من اللاجئين، وثّقوا بالتصوير الأشياء التي حملوها معهم من بلدانهم وما يربطهم بمدينة هامبورغ.
كانت الصور وسيلة للتعبير عن الذاكرة والفقد والانتماء، فالأشياء التي يحملها اللاجئون قد تبدو بسيطة، لكنها تختزن ارتباطهم بأماكن وأشخاص تركوهم خلفهم. وشارك الرئيس الألماني الأسبق كريستيان فولف بكلمة في برنامج تلك الدورة، التي تضمنت أيضًا فعاليات حول سوريا والتراث الثقافي المهدد بالتدمير، وشهدت مشاركة جزائرية للمرة الأولى.
وفي عام 2016، استقطب حفل الافتتاح في معهد آسيا وأفريقيا نحو 300 شخص، فيما ضم البرنامج 36 فعالية. وسعى المنظمون إلى مناقشة قضايا اللجوء دون اختزال الثقافة العربية في الحروب والأزمات التي دفعت كثيرين إلى مغادرة أوطانهم.
وفي 2019، امتدت الدورة الرابعة عشرة من 21 سبتمبر إلى 22 ديسمبر، وأحيت الذكرى المئتين لـ«الديوان الغربي الشرقي» لغوته بأمسية عن علاقته بالإسلام.

من قضايا البيئة إلى السلام والتعايش
في عام 2021، حملت الدورة الخامسة عشرة شعار «سلام: السلام والوعي البيئي»، في إشارة إلى اتساع الاهتمام بالقضايا البيئية إلى جانب موضوعات التعايش.
وفي عام 2022، جاءت الدورة السادسة عشرة تحت شعار «السلام وحماية البيئة وتحول الطاقة: الشرق والغرب في مسؤولية مشتركة». وتناول البرنامج قضايا المناخ والاستدامة والتعايش الديني، والصدمات النفسية والاندماج، والعنصرية، ودور المؤسسات في التعامل مع التنوع الثقافي، إلى جانب أيام ثقافية خُصصت لبلدان عربية، بينها اليمن وفلسطين وسوريا والعراق والمغرب والجزائر وتونس. وقال خليفة إن الأسابيع تستضيف في العادة 23 دولة.
وفي سبتمبر/أيلول 2024، افتُتحت الدورة الثامنة عشرة في مبنى بلدية هامبورغ تحت شعار «سلام يا سلام: تنوع هامبورغ في ظل السلام»، بمشاركة شخصيات سياسية وأكاديمية وثقافية. وامتدت الفعاليات خلال الأشهر التالية بين محاضرات ومعارض فنية وأمسيات موسيقية وورش عمل.
أما دورة 2025، وهي التاسعة عشرة، فجاءت تحت شعار «سلام يا إنسان: من إنسان إلى إنسان، لقاءات تبقى». وتضمن برنامجها نقاشات حول فلسطين والتمييز وتأثيراته الصحية، إلى جانب الموسيقى والخط العربي والفعاليات الثقافية الخاصة بعدد من البلدان. كما شهدت إطلاق بازار عربي يعرض الحرف التقليدية والمنسوجات والأزياء والعطور، في محاولة لتقريب التراث العربي من الجمهور عبر التجربة المباشرة. واختُتمت الدورة في 9 ديسمبر بحفل تكريم بحضور العمدة الثانية لهامبورغ والسفيرة المصرية وعدد من النواب، فيما رُشّح فريق التنظيم لجائزة العمل التطوعي في دائرة هامبورغ-ميته.

المتطوعون.. وجوه خلف استمرار المبادرة
وراء هذه الفعاليات شبكة من المتطوعين من خلفيات عربية وألمانية، شاركوا في التنظيم والتوثيق والتواصل مع المؤسسات والجمهور، بينهم عاملون في الإعلام والتعليم ومساعدة اللاجئين، وطلاب جامعيون ومهتمون بالتبادل الثقافي.
ومن بين المشاركين عبد المالك بلحاج، الذي يرى في الأسابيع الثقافية فرصة للحوار القائم على التسامح والاحترام المتبادل، والمخرج والمصور عروة حوكان، الذي اهتم بتوثيق الفعاليات وإيصالها إلى جمهور أوسع من الحاضرين. كما شارك رالف غرونيفيلد، الناشط في مجال مساعدة اللاجئين، في التخطيط للفعاليات منذ عام 2017. ونال مؤسس المبادرة محمد خليفة الجائزة الثقافية المصرية عام 2009، وكرّمه الرئيس الألماني كريستيان فولف عام 2012.
واستند استمرار المبادرة، إلى جانب العمل التطوعي، إلى تعاون جهات مختلفة، بينها جامعة هامبورغ ومؤسسات ثقافية ودينية ومدنية، فضلًا عن دعم من جهات رسمية في المدينة. وفي عام 2025، خُصص دعم مالي معلن بقيمة خمسة آلاف يورو ضمن برنامج مدينة هامبورغ لتعزيز التبادل الثقافي، وهو تمويل محدد لا يمثل بالضرورة الميزانية الإجمالية للمبادرة.
أكثر من عشرين عامًا.. والحوار مستمر
رافقت الأسابيع الثقافية العربية تحولات كبرى؛ من النقاشات حول الصور النمطية والعلاقات العربية الأوروبية، إلى الربيع العربي واللجوء والاندماج، وصولًا إلى قضايا البيئة والسلام والتنوع. ولم تعد مجرد مناسبة للتعريف بالموسيقى والفنون والمأكولات الشرقية، بل مساحة تتقاطع فيها تجارب المهاجرين مع ذاكرة أوطانهم، وتلتقي فيها أسئلة الهوية والانتماء بقضايا السلام والتعايش.
وتجاوزت التجربة حدود المدينة؛ ففي 2023 أطلقت مدينة شفاينفورت البافارية أسابيعها الثقافية العربية الأولى، مستلهمة النموذج الهامبورغي صراحة. وفي مدينة يعيش فيها أشخاص ينحدرون من نحو 180 دولة، تكتسب مثل هذه المبادرات أهمية خاصة، ليس لأنها تلغي الاختلافات، بل لأنها تتيح فرصة للتعرف إليها ومناقشتها.
وبينما اتسعت موضوعاتها وتعدد شركاؤها، يبقى التحدي قائمًا في الوصول إلى جمهور أوسع، وتحويل اللقاءات الموسمية إلى تواصل مستمر يترك أثرًا في طريقة فهم الناس بعضهم لبعض. وربما تكمن قيمة هذه التجربة في أنها لا تقدم إجابة نهائية، لكنها تواصل فتح الباب أمام الحوار.

