يشارك فيلم “حوار مع البحر” في الدورة الحالية لمهرجان هامبورغ للأفلام، والذي يستمر حتى الثالث من أكتوبر. الفيلم بطولة الممثل الفلسطيني المخضرم كامل الباشا و تدور أحداثه في مدينة القدس. عُرض الفيلم ضمن فعاليات مهرجان البندقية السينمائي، من تأليف وإخراج مؤيد عليان ، وهو مخرج فيلمي “تقارير عن سارة وسليم” و”بيت في القدس”. يمكنكم مشاهدة الفيلم في العرض الثاني له ضمن فاعليات مهرجان هامبورغ للأفلام غداً الأربعاء في التاسعة و النصف مساءً بسينما Studio Kino. يشارك الفيلم ضمن مسابقة “تصويت الجمهور” ويمكن للمشاهدين التصويت للفيلم أونلاين بعد عرضه. يبدأ الفيلم بمشاهد لاشتباكات أمام إحدى بوابات المسجد الأقصى. خيالة الشرطة الإسرائيلية وجنود يضربون شبان فلسطينيين ويلقون القبض عليهم. أفراد يفرون من الغاز المسيل للدموع. تُشعرك تلك المشاهد بأن الفيلم سيكون مليئاً بمشاهد القمع والعنف ، لكن القصة التي تنتظرك مختلفة.
رحلة اثبات موت ابنه
يتلقى الرجل المُسن كمال حماد، الذي يعمل خبازاً، خطاباً من محكمة “بني عجرون” في مدينة القدس بغرامة مالية قدرها 75 ألف شيكل. والسبب تراكم الديون لعدم سداد مستحقات الضمان الاجتماعي المتأخرة لابنه، لعدم وجود شهادة وفاة رسمية تثبت وفاته. توفي ابنه وائل قبل عشرين عاماً غرقاً في البحر في تل أبيب، حيث كان يعمل نادلاً في مطعم هناك.
لم يحضر الأب الجنازة لأنه كان يعيش وقتها في الولايات المتحدة الأمريكية. تعرفت زوجته نوال على جثمان ابنها وتمت مراسم الدفن. عانت الزوجة لاحقاً من مرض السرطان وتوفيت على أثره. لم يكن الزوج يعلم بمرضه، وعانت العائلة من ديون متراكمة تركها كمال بسبب أموال استدانها من أقاربهم ومعارفهم للسفر إلى أمريكا.
تبدأ رحلة الأب الذي يبدو أنه رفض تعلم اللغة العبرية في البحث عن حلول. ينصحه صديقه الذي ساعده في ترجمة الخطاب بضرورة تعلم اللغة العبرية لتسهيل التواصل مع الجهات الحكومية قائلاً ”الزمن اتغير ولازم تمشي حالك”. يستنكر كامل ويتعجب من عدم معرفة السلطات الاسرائلية بوفاة ابنه، ويقول “الدولة اللي بتعرف مقاس حذائك، مش عارفه ان ابني مات”!
حقيبة الذكريات: “سامسونايت”
يتواصل كمال مع محامي فلسطيني فيخبره بضرورة البحث عن شهادة وفاة ابنه أو أي أوراق ثبوتية قد تساعد في اثبات وفاته حتى تسقط الغرامة المالية المفروضة عليه. يعيش الأب وحيداً في منزلهم بالبلدة القديمة في القدس، وابنته التي هجرت المنزل منذ وفاة أخيها، ترفض التواصل معه. يحاول الأب الاتصال بها مجدداً فتجيب الرسالة المسجلة. يفتح الأب شنطة قديمة ماركة “سامسونايت”، فتُرجع المشاهدين لحقيبة الذكريات الموجودة في بيوت عربية كثيرة. هذا الموديل من تلك الحقيبة البُنية التي تحفظ الصور والمستندات القديمة المهمة. يجد كمال بداخل الحقيبة صوراً قديمة لزوجته وأطفاله. وشرائط لأم كلثوم. كذلك أقراص مدمجة “سي دي” ويبدأ في مشاهدتها ويسترجع ذكريات طفولة أبنائه. مشاهد لزوجته وهي تُطرز وتخبر ابنها “من المهم تعلم التطريز الفلسطيني ، فيخبرها بأنه مش فتاة”. في مشاهد أخرى يظهر ابنه وهو يلعب “الكيك بوكينج” وفي الخلفية صورة مُعلقة لمحمد على كلاى على الحائط. كذلك مشاهد لوائل وهو يلعب باركور مع أصدقائه ويقفزون على أسطح المنازل.
أين تعيش عينات ؟
يذهب كمال للمستشفى العام في تل أبيب بحثاً عن تقرير إثبات وفاة ابنه. يجد في الملف صوراً تُظهر وجه ابنه مهشماً ولا يمكن التعرف عليه. يبدأ الشك في ماذا لو كان هذا الجثمان لشخصاً آخر وأن ابنه وائل ما يزال حياً. في التقرير وجد كمال اسم سيدة إسرائيلية تُدعي عينات، كانت على ما يبدو مع ابنه وقت نقل جثمانه إلى المستشفى. يطلب كمال من محاميه المساعدة للعثور على السيدة. وتبدأ رحلته في البحث في عناوين 30 سيدة تحمل نفس الاسم. خلال تلك الرحلة ينقلنا المؤلف بين منازل اسرائليين ونرى كيف تعامل مع كمال بعنف وهدده البعض بإبلاغ الشرطة. يعرض المؤلف شخصية الرجل المستوطن العنيف الذي يهين كمال، فيفقد أعصابه ويكسر زجاج سيارته بقالب طوب. يركض كمال مسرعاً وخلفه الرجل، الذي يلحق به ويضربه قائلا “يمكن أن أقتلك مثلما قتلت عرباً آخرين”.
كذلك هناك أكثر المشاهد عبثية في الفيلم، وهو منزل المثقفين الاسرائليين الذين يناقشون بشكل مُتعال “كيفية حل الصراع” وضرورة تغيير المناهج التعليمية للأطفال الفلسطنيين وهم يحتسون النبيذ. ففي منزل هذا المثقف يتواجد في الزاوية إناء فخاري كبير “بلاص” تم جلبه خلال رحلة أثرية استكشافية من غزة. ويُظهر المؤلف تلك المجموعة أنها كانت مُرحبة وودية مع كمال ، لكنهم لا يفهمون شيئًا عن التجربة الفلسطينية.
حبيبة وائل
تنكشف كل تفاصيل الحادث عندما تزور عينات منزل كمال في القدس. تخبره أنها لم تكن بصحبة ابنه وقت الحادث و بعد مزيد من البحث يجد كمال حبيبة ابنه السابقة بيسان. تحكي له عن ابنه الذي لم يعرفه جيداً عندما تركهم وسافر. تحكي بيسان ما حدث يوم الحادث وأنها ذهبت لزيارة وائل بعد انتهاء عمله في المطعم في تل أبيب ، فقررا الذهاب للبحر. وأنهما تعرضا لمضايقات وهجوم من شباب اسرائليين فحاولا الهروب منهم وقفزا في المياه. انفصل الحبيبان وتعلقت بيسان لمدة طويلة بعامود خشبي حتى اختفى المهاجمين. صرخت بيسان بحثاً عن وائل لكنها لم تجده، ابتلعه الظلام والبحر. وهي لا تعرف كيف غرق، فهو يجيد السباحة. في النهاية يحاول مؤلف الفيلم ربطنا بواقع كمال المرير، فهو اضطر لترك عائلته والهروب لأمريكا بسبب الوضع المادي المزري. هزمه الاحتلال و سلبه ابنه.
تباين آراء الجمهور العربي حول الرؤية السردية للفيلم
اعتبر البعض أن العنف والقمع الإسرائيلي ضد فلسطينيي الداخل لم يكن حاضراً في تناول الفيلم. وأن قصة الأب الذي يسعى للتأكد إذا ما كان ابنه قد توفي بالفعل وماحولها من صراعات، هو تناول درامي لقصة يمكن أن تحدث في أي مدينة أخرى في العالم، وتفتقد لخصوصية الزمان والمكان، وأنها غير مُعبرة بما يكفي عن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. في حين يرى آخرون أن تناول الفيلم بتلك المعالجة يتيح إظهار المعاناة اليومية للفلسطينين في ظل البيروقراطية الإسرائيلية التي تحاول أن تسلبهم حياتهم و أن تهزم روحهم حتى يُجبرون على الرحيل. وأنه ليس من الضرورة أن يستحضر كل فيلم فلسطيني مشاهد دموية مثل التي تابعناها خلال السنوات الثلاثة الأخيرة من قطاع غزة، على سبيل المثال. فالحياة اليومية بصراعها مع نظام الاحتلال مهمة لإظهار حياة الفلسطيني وكيف يحاول التغلب على تلك الصعاب.