Skip to main content

حبيبي حسين …فيلم عن الفقدان والتهميش

حسين دربي، حارس الذاكرة السينمائية في جنين، أمام جهاز العرض الذي أفنى حياته في خدمته. (Foto: Film Poster)
حسين دربي، حارس الذاكرة السينمائية في جنين، أمام جهاز العرض الذي أفنى حياته في خدمته. (Foto: Film Poster)

قاعة سينما مهجورة: الغبار يغطي المقاعد، وضوءٌ يتسلل عبر نوافذ مكسورة إلى شاشة متوقفة منذ زمن طويل. في الغرفة المجاورة، يقف حسين دربي أمام جهاز عرض قديم، ويلامسه بحذر. لوهلة، يبدو وكأن الآلة ستعمل الآن ويبدأ العرض، ليعيد الحياة إلى المكان.

مثل هذه الصور المؤثرة تميز الفيلم الوثائقي «حبيبي حسين» للمخرج أليكس بكري، إذ يتداخل الماضي مع الحاضر. في قلب الفيلم يقف حسين دربي، وهو آخر عارض أفلام في سينما جنين الفلسطينية. عمله الذي يكسب منه قوت يومه، منذ زمن، عرضة للتلاشي في ظل مشروع طموح لإعادة الإعمار.

حكاية اختفاء

عندما تقوم منظمة ألمانية غير حكومية بترميم السينما، وإحياء المكان من جديد، يرى حسين دربي الواقف على بقايا “سينماه”، فرصة للعودة مجدداً لشغفه، والاعتراف بخبرته، التي راكمها على مدى عقود. لكن بينما تنمو المنظمة وتتوسع، يبقى حسين خارج الدائرة. تُستغل خبرته دون أن تُقدَّر حق قدرها.

يرافق مخرج الفيلم حسين في رحلاته عبر الآراضي الفلسطينية، بينما يحاول إعادة تشغيل جهاز العرض القديم، ومن ثم إعادة الحياة إلى سينما جنين. رحلة البحث هذه ليست تقنية بقدر ما هي الوجودية. ترافقها أسئلة تتعلق بالكرامة والذاكرة وعما إذا كان بالإمكان إعادة الحياة لمكان تغيّر منذ زمن بعيد.

بين الالتزام والوصاية

الرؤية الواضحة لصانع فيلم حبيبي حسين هي ما جعتله مميزاً. إذ لا يهتم فقط بتقديم صورة محايدة عن العمل التنموي، بل يكشف التوترات والصدمات التي تنشأ نتيجة التقاء المساعدة الخارجية بالخبرة المحلية.

الفيلم لا يركز على المنظمات غير الحكومية فقط، بل يظهرها كجزء من نظام يريد المساعدة، لكنه يعيد إنتاج علاقات القوة القائمة. فيتحول حسين في هذه العملية إلى شخصية هامشية في مشروع حياته. وبينما يُطلب منه إصلاح جهاز العرض، تتم معاملته كمبتدئ. مما يجعله يعاني بصمت!

وفي هذا السياق يطرح الفيلم أسئلة مقلقة: لمن ينتمي التراث الثقافي؟ ومن يملك حق تقرير كيفية الحفاظ عليه أو تجديده؟ وما الدور الذي يلعبه أصحابه الأصليين؟

بورتريه بحدة سياسية

الفيلم لا يتناول سينما جنين كجزء منفصل عن السياق الأوسع، بل تتحول قصة السينما لتصبح استعارة للوضع الفلسطيني. الذي يظهره الفيلم واقعاً يتسم بالانكسارات، والوصاية الخارجية والصراع المستمر من أجل الظهور، والتمثيل.

يبتعد بكري في فيلمه عن توجيه الاتهامات بشكل مباشر، ويعتمد بدلاً من ذلك على نقل الواقع. فتبقى الكاميرا قريبة من حسين، تتابع حركاته، وحواراته وصمته. وهذا التحفظ تحديداً هو ما يمنح الفيلم قوته. وهكذا تُبنى سيرة حميمية لحسين وللسينما، وتحمل في الوقت ذاته بعداً سياسياً. 

ومن اللافت أيضاً كيف يفكك الفيلم مفهوم “المساعدات الخارجية”. فما يبدو للوهلة الأولى كمشورع إعادة إعمار، يتكشف كعملية تهميش للخبرات والمعرفة المحلية. أي يتحدث الفيلم عن استعمار ثقافي لكن أن أن يصرّح بذلك مباشرة. 

أهمية السينما

إلى جانب بعده السياسي، يوجّه الفيلم تحية لمفهوم السينما نفسه كمان. إذ يرمز جهاز العرض لحقبة من الماضي، لم تختفِ فقط بسبب التقنيات الحديثة، بل تلاشى مفهوم المكان ككل بسبب عوامل اجتماعية أيضاً.

إذ نجح بكري في جعل هذا الحنين ملموساً دون البكاء على الأطلال وتمجيدها. فتظهر السينما كفضاء اجتماعي، فقدانه مرتبط بشكل وثيق، بالتطوّرات السياسية والاقتصادية.

وما منح الفيلم عمقاً عاطفياً إضافياً، أن بطله حسين دربي لم يتمكن من مشاهدة الفيلم بعد اكتماله. وبذلك جاء الفيلم كخطاب وداعي تخليداً له.

اللغة البصرية والتأثير

على صعيد الصورة، يعتمد الفيلم جماليات رصينة ومتأملة. لا تفرض الكاميرا حضورها أبداً، بل تمنح المشاهد وقتها. كثير من المشاهد تبدو عفوية تقريباً، لكنها تُحدث أثرها الأعمق بالضبط بسبب ذلك.

الإيقاع متأنٍّ، وقوة الفيلم تكمن في اللقطات المقربة: نظرة، حوار، طقطقة جهاز العرض. هذه التفاصيل تتكثف لترسم صورة كاملة تظل تتردد في الوجدان طويلاً.

“حبيبي حسين” فيلم وثائقي هادئ وعميق الأثر، يتجاوز حدود بورتريه رجل واحد. يجمع أليكس بكري بين السيرة الشخصية والتحليل السياسي في عمل لا يُحدث تأثيره بالضجيج، بل بالدقة والصدق.

النص مترجم عن نص بالألمانية للصحفية كريستينا هويشن

أمل باللغة الألمانية

يلا