في زاوية خافتة الإضاءة داخل متحف شيرن كونستهاله “Schirn Kunsthalle” في مدينة فرانكفورت، يجد الزائر نفسه فجأة خارج حدود المكان والزمان. هناك، وضمن غرفة مخصصة لعرض عمل الفنانين أوكسيتان لاكوري وبارنابي سوفاج، وهي غرفة واحدة فقط من بين 18 غرفة أخرى يضمها معرض “The World Through AI”، تجذبك شاشة رقمية عمودية تشع بوميض بَصري يمزج بين الإبهار والغرابة.
على الشاشة، تعرض مجموعة صور مختلفة مولدة بالذكاء الاصطناعي تتبدل تباعاً. واحدة منها صورة تعرض تمثالاً ذهبياً ضخماً للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، منتصباً كرمز كولونيالي قديم في وسط مدينة ساحلية مشمسة تعج بأشجار النخيل والسيارات الفارهة. بينما تظهره صور أخرى وهو يراقص امرأة ترتدي لباس رقص شرقي وسط أجواء احتفالية صاخبة. هذا التجهيز الفني الصادم الذي يحمل اسم “Holy Slop!”، لا يهدف إلى نسج فضيحة سياسية أو استخدام صور ترامب كتجربة لمدة قدرة الذكاء الاصطناعي على توليد الصور، بل يعرض فكرة مهمة توضح كيف تحولت خوارزميات الذكاء الاصطناعي إلى سلاح ناعم يعيد صياغة التاريخ والجغرافيا.

تشريح “البروباغندا الرديئة”
تبدأ حكاية هذا العمل من رصد الفنانين لظاهرة رقمية اجتاحت منصة “Truth Social” المملوكة لترامب، وتتعلق بالترويج البصري لمشروع وُصف بالمجنون يحمل اسم غزة ريفييرا “Gaza Riviera”. هذا المشروع طُرح قبل قرابة عام بشكل أساسي من قِبل جاريد كوشنر، صهر ترامب ومستشاره السابق، بالتزامن مع قيام شركات تطوير عقاري إسرائيلية مثل شركة “Harey Zahav” بنشر مخططات وصور تخيلية عبر الذكاء الاصطناعي لاستثمار ساحل غزة وتحويله إلى منتجعات فاخرة؛ في خطوة وصُفت آنذاك بأنها تمهيداً بصرياً لتهجير سكان الأرض الأصليين في القطاع المحاصر.
أثناء طرح المشروع تعمدت حسابات سياسية معينة ضخ صور ومقاطع فيديو ومخططات معمارية براقة مصنوعة بالكامل عبر الذكاء الاصطناعي التوليدي، تُظهر قطاع غزة كمنتجع سياحي فاخر يضج بالأبراج والفنادق الاستثمارية التي تحمل اسم “ترامب”. هذا التدفق الهائل والسريع للمحتوى الرقمي الرديء والموجه هو ما دفع الفنانين لابتكار مصطلح “Slopaganda”. وهو مزيج يجمع بين “Slop” أي المحتوى الآلي السريع والرديء، و”Propaganda” أي الدعاية السياسية. ولإيصال هذه الفكرة ببساطة لزوار المعرض، أحاط الفنانون الشاشة بجدار كامل مغطى ببطاقات بريدية تاريخية وملصقات قديمة حقيقية لفلسطين مثل ملصق “Visit Palestine” الشهير، في مقارنة بصرية ذكية تثبت أن الصور على شاشاتنا اليوم ليست محايدة أبداً، بل هي أداة قوية وموجهة للتأثير على الرأي العام وتوجيه مواقفه السياسية.

عندما تعيد الآلة إنتاج الانحياز الاستعماري
تكتمل فصول هذه العمل الفني عندما يقرر الفنانون الانتقال من رصد الصور إلى “استنطاق الآلة نفسها”. ففي الجزء الثاني من العمل، قاما بدراسة نموذج الذكاء الاصطناعي الشهير “Grok” ليفهما بدقة ماذا يحدث في عقله الرقمي عندما يُطلب منه إنشاء صور أو معلومات تتعلق بفلسطين. النتيجة التي يبرزها العمل بوضوح هي أن الذكاء الاصطناعي لا يملك وعياً مستقلاً، بل هو مرآة لما يُغذى به؛ فهو يعتمد على كميات هائلة من النصوص والصور المخزنة مسبقاً على الإنترنت. وبما أن الفضاء الرقمي مشحون بروايات منحازة وصور نمطية تعود جذورها إلى النظرة الاستعمارية الغربية القديمة للمنطقة، فإن النموذج يقع تلقائياً في فخ “إعادة إنتاج الانحياز”، ويربط الهوية الفلسطينية بقوالب مشوهة ومعدّة مسبقاً.
الاستشراق الجديد ومحو الجغرافيا بضغطة زر
بينما تتأمل البطاقات البريدية التاريخية المحيطة بتمثال ترامب الذهبي، تدرك الرسالة الفلسفية الأعمق للمعرض. في القرن الماضي، كان “الاستشراق التقليدي” يعتمد على رسامين ومصورين غربيين يرسمون الشرق ويلتقطون له صوراً تخدم رواياتهم الخاصة. أما اليوم، يضعنا المعرض أمام “استشراق تكنولوجي جديد”؛ حيث يتيح الذكاء الاصطناعي للقوى الكبرى والمليارديرات محو جغرافيا حقيقية مليئة بالمآسي والدماء، واستبدالها خوارزمياً بوهم رقمي مريح وجميل بضغطة زر واحدة.
الجدير بالذكر أن الفنانين لا يطرحان هذا العمل كحكمٍ نهائي يُدين التكنولوجيا، بل كصرخة تحذير تدعونا لعدم التعامل مع صور الذكاء الاصطناعي ببراءة، بل باعتبارها امتداداً وانعكاساً للانحيازات والروايات المسبقة المدفونة في البيانات التي تتدرب عليها الآلة. ومع نهاية الجولة، يغادر الزائر الغرفة وقد تبدلت نظرته تماماً لتلك الشاشة التي استقبلته في البداية؛ فالتمثال الذهبي الساخر لترامب يتحول هنا إلى سؤال مفتوح ومقلق، وهو من يملك اليوم سلطة تشكيل ذاكرتنا، ورسم خرائطنا، وصناعة رواياتنا الإنسانية في عصر باتت فيه الخوارزميات قادرة على تزييف واقع بصري كامل بضغطة زر واحدة؟