Skip to main content

“الحياة بعد سهام” فيلم عن ما بعد الفقد 

عرض الفيلم الوثائقي 'Life after Siham' في باريس يسلط الضوء على قصص إنسانية مؤثرة. (Foto: Rita Mahlis)
عرض الفيلم الوثائقي 'Life after Siham' في باريس يسلط الضوء على قصص إنسانية مؤثرة. (Foto: Rita Mahlis)

بعد وفاة والدته، يعود نمير عبد المسيح، صانع الأفلام المصري، ليفي بوعدٍ مؤجل: أن يصنع فيلماً معها. لكن السؤال الذي يلاحق هذا المسعى منذ بدايته يبقى معلقاً: هل يمكن للسينما أن تستعيد من رحلوا، أم أنها لا تفعل سوى إعادة صياغة الغياب؟

يتخذ فيلم “الحياة بعد سهام” من تجربة مخرجه مادته الأساسية، عبر أكثر من عقدٍ من الزمن، متتبعاً تحولات نمير كفنان يواجه الفقد، وكابن يحاول التكيّف مع غياب الأم سهام. بين محاولاته السينمائية المتعددة، وسعيه الحثيث إلى تثبيت الذاكرة في صورة، يرصد العمل مساراً مزدوجاً، تطور تجربة فنية، وتشكل علاقة جديدة مع الحزن.

ما بعد سهام: «ليه تبعد عني؟»

في فيلمه الذي تتقاطع فيه الذاكرة مع الحاضر، يقدم المخرج عملاً أقرب إلى سيرة ذاتية بصرية، لا يكتفي فيها بدور الراوي، بل يصبح أحد أبطال الحكاية. فالفيلم ليس عن “سهام” بوصفها شخصية غائبة فحسب، بل عن أثر هذا الغياب، وعن الحياة التي تتشكل بعده على مضض، وعن الفراغ الذي يتركه في الناس، وعن كيف تستمر الحياة بعد رحيل من كانوا يلمّون شتاتها. 

فبعد موت سهام، يأتي صوت من بعيد “يا مسافر وحدك وفايتني”، ثم يعلو الصوت: “ليه تبعد عني؟” وكأنها امتداد مباشر لسؤال الغياب نفسه.

ثلاثون عاماً في مواجهة الغياب

ينطلق العمل من فكرة بسيطة ظاهرياً، محاولة استعادة ما يمكن استعادته من زمن مضى. يعود المخرج إلى أرشيف عائلي يمتد لثلاثين عاماً، من صور ورسائل وأوراق رسمية، يفتّش في مقاطع مصورة قديمة، يرمّمها، ويعيد تركيبها إلى جانب لقطات جديدة، وكأنه يحاول أن يقيم حواراً بين زمنين، زمن كانت فيه سهام حاضرة، وزمن تلا رحيلها حيث لم يبقَ منها سوى الأثر.

كما استخدام نمير أفلام المخرج المصري يوسف شاهين وبخاصة مشاهد من فيلمي”عودة الابن الضال” و “فجر يوم جديد” كأرشيف بصري، يوثق من خلاله المخرج سيرة والديه، وقصة الحب التي جمعتهما.

وجيه في زمن ما بعد سهام

يحاور نمير والديه، مستعيداً معهما تفاصيل حكايتهما، ومتتبعاً تحولات مشاعرهما منذ البدايات الأولى للحب، وكيف نما هذا الارتباط وتبلور، ليغدو سبباً في تمسكهما ببعضهما رغم ما اعترضهما من ظروف.

لكن الفيلم لا يكتفي بالحنين أو الاستذكار، بل يتخذ من الأب، وجيه، محوراً أساسياً لرصد التحولات. وجيه، الذي كثيراً ما قال إنه سيرحل قبلها، ولكن الحياة اختارت غير ذلك، يظهر كظلّ لإنسان كان مكتمل الحضور، قبل أن يتآكل تدريجياً تحت وطأة الفقد. الوحدة هنا ليست مجرد حالة نفسية، بل حالة معيشة يومية: بيت يفقد أصواته، تفاصيل كانت عادية تصبح فجأة مؤلمة، وأشياء كانت تشير إلى الحياة مع سهام، تتحول إلى شواهد على غيابها.

باريس لا تتذكر أحداً 

البيت نفسه يتحول إلى شخصية موازية. إذ لم يعد فضاءً محايداً، بل كائناً يتغير مع تغير ساكنيه. فمع انتقال الأب إلى دار رعاية المسنين، يصل هذا التحول إلى ذروته، يفرغ البيت تماماً، لا من الأشخاص فقط، بل من المعنى. وتختفي الأصوات، وتتلاشى الحركة، ويصبح المكان أقرب إلى ذاكرة مهجورة.
هنا يمرر المخرج رسالته بهدوء قاسٍ: المدن كالبيوت، لا تحتفظ بأحد. باريس، التي كانت شاهدة على حياة العائلة، ستستقبل آخرين، غرباء سيملؤون الفراغ، وسيعيدون تشكيل المكان بطريقتهم. حتى الأثاث، الذي بدا يوماً حاملاً للذكريات، سيغدو مجرد أشياء قابلة للنقل والاستبدال. يقول نمير، محاوراً والده “ما بعد سهام، ما بعد وجيه، ما بعد نمير، بعدنا كلنا، هتفضل الحياة يا بابا، إحنا ابتدينا الحكاية وهم هيكملوها”.

أم دومة تستعيد الحكاية

في موازاة ذلك، يفتح الفيلم نافذة على جغرافيا أخرى، صعيد مصر، وتحديداً قرية أم دومة. هناك، تعيش الجدة، التي تروي حكايات عن سهام ووجيه، عن بداياتهما، وعن القرار الصعب الذي اضطرهما للهجرة إلى باريس وترك ابنهما لديها لعامين بسبب ضيق الحال.  هذه العودة إلى الجذور لا تأتي بوصفها حنيناً ريفياً بقدر ما هي محاولة لفهم المسار: كيف تتشكل العائلات تحت ضغط الاقتصاد والهجرة؟ وكيف يُعاد توزيع الحب والغياب بين أماكن متعددة؟

الجدة، بصوتها وحكاياتها، تعيد للمخرج جزءاً من تاريخه الذي لم يعشه بوعي كامل. كما أن قصة نمير ووالديه لم تعد قصة عائلة واحدة، بل قصة جيل كامل اضطر إلى التنقل، إلى ترك أجزاء من حياته خلفه، وإلى إعادة بناء نفسه في أماكن لا تشبهه تماماً.

ما يميز هذا العمل الوعي المزدوج، فالمخرج ليس مراقباً محايداً، بل طرف في القصة، متأثر بها ومشارك في تشكيلها. الكاميرا هنا ليست أداة تسجيل فقط، بل وسيلة لفهم الفقد، وربما للتصالح معه. وبين الأرشيف والواقع، بين باريس وأم دومة، بين الأم الغائبة والأب الذي يتلاشى، يحاول الفيلم أن يجيب عن سؤال بسيط ومستحيل في آن واحد: ماذا يبقى بعد أن يرحل من كانوا يمنحون الحياة معناها؟

أمل باللغة الألمانية

يلا