ماذا لو جاءك شخص يعيش في ألمانيا منذ سنوات، لديه عمل وبيت وعائلة، وبنى خلال هذه السنوات حياة كان يعتقد أنها أصبحت مستقرة، ثم جلس أمامك وقال: ««بعد مشواري الشاق في بلاد المهجر وكل ما بنيته هنا، أصبحت أخشى أن أخسره كله. أخبار سحب الإقامات وصعود اليمين المتطرف تعيد إليّ شعوراً قديماً بعدم الأمان، وكأنني قد أضطر إلى بدء حياتي من الصفر من جديد».»؟
كيف تتعاملين معه في هذه الحالة؟ وهل ما يشعر به هو مجرد قلق طبيعي تجاه المستقبل، أو أن هذه الأخبار يمكن أن تعيد تنشيط مشاعر وخبرات مؤلمة عاشها سابقاً؟
بهذه الحالة الافتراضية بدأنا حديثنا مع الدكتورة ريم رضا، الاختصاصية والمدرّبة في الصحة النفسية والدعم النفسي-الاجتماعي (MHPSS)، والحاصلة على الدكتوراه في الإرشاد النفسي من جامعة دمشق، والمتخصصة في علاج اضطرابات الضغوط التالية للصدمة. تعلق د. رضا على الحالة قائلة: “لن أقول له: «لا تقلق، كل شيء سيكون على ما يرام». فهذا وعد لا نملكه. بل سأبدأ بالاعتراف بمشاعره: «أستطيع أن أتفهم ما تشعر به. لقد بذلت جهداً كبيراً لتبني حياة متكاملة، من عمل وأسرة ومنزل واستقرار. والخوف من فقدان كل ذلك شعور طبيعي، ومع الأسف فإن جزءاً كبيراً من هذه المخاوف يقع خارج نطاق سيطرتك، وهذا بحد ذاته أمر مرهق للغاية».
ثم ستذكّره بأن ما بناه خلال السنوات الماضية، من علاقات ومهارات وخبرة وقدرة على البدء من جديد، أصبح جزءاً منه. فحياته الموجودة اليوم حقيقية، حتى لو كان المستقبل يحمل قدراً من عدم اليقين. فالهدف ليس التهدئة الفورية، بل الاعتراف أولاً بأن الخوف مفهوم، ثم مساعدة الشخص على التمييز بين خطر محتمل في المستقبل وحياة موجودة فعلاً في الحاضر.
حين يتحول الخبر إلى صراع جسدي ونفسي!
توضح الدكتورة ريم رضا، أن التجارب المؤلمة لا تُحفظ في الذاكرة على شكل قصة فقط، بل قد ترتبط أيضاً باستجابات جسدية وعاطفية، مثل تسارع ضربات القلب والتوتر العضلي واليقظة الزائدة والشعور بالخطر.
وتشير إلى أن مواجهة موقف جديد يحمل عناصر تشبه التجربة السابقة، كالخوف على العائلة أو فقدان الاستقرار أو الشعور بأن المصير خارج السيطرة، قد تنشّط استجابات قريبة من تلك التي عاشها الشخص سابقاً. لكن ذلك لا يعني أنه عاد إلى نقطة الصفر، بل إن جهازه العصبي التقط إشارات يفسرها على أنها تهديد محتمل.
وتضيف أن كثيراً من السوريين بنوا خلال السنوات الماضية حياة جديدة في ألمانيا، ولذلك فإن تصاعد النقاش السياسي والإعلامي حول مستقبل إقامتهم قد يلامس تجربة قديمة مرتبطة بفقدان الأمان وعدم الاستقرار والخوف من المجهول.
لماذا تزيد الأخبار السياسية من حدة القلق؟
بحسب د. رضا، هناك عدة عوامل تجعل الأخبار المتعلقة بالإقامة والمستقبل أكثر تأثيراً في الحالة النفسية، أبرزها الغموض والتكرار والشعور بفقدان السيطرة. فعندما يسمع الشخص أخباراً عامة ولا يعرف كيف ستؤثر فيه شخصياً، يبدأ عقله بملء الفراغ بالاحتمالات. وقد يكون عدم اليقين أحياناً أكثر إنهاكاً من معلومة واضحة، حتى لو كانت غير مريحة. أما التعرض المستمر لعناوين ونقاشات تتحدث عن الخطر، فقد يُبقي الجهاز العصبي في حالة استعداد، حتى في الأوقات التي لا يوجد فيها خطر مباشر. ويزداد هذا الشعور عندما ترتبط المسألة بقرارات سياسية أو قانونية لا يستطيع الفرد التحكم بها، ما يعزز الإحساس بالعجز.
«ماذا لو سُحبت إقامتي؟»
عندما تبدأ أسئلة مثل «ماذا لو اضطررت إلى العودة؟» أو «ماذا سيحدث لعائلتي؟» بالدوران في الرأس، قد يدخل الشخص في ما يُعرف نفسياً بعدم تحمّل عدم اليقين. وتشرح د. رضا، أن الدماغ يحاول التعامل مع الغموض من خلال التفكير في جميع السيناريوهات الممكنة، وكأنه يقول: «إذا توقعت كل شيء، ربما أكون مستعداً». لكن هذه الأسئلة غالباً لا تملك إجابة فورية، ما قد يؤدي إلى الخوف والغضب والشعور بالعجز والحزن، إضافة إلى الشعور بالذنب تجاه العائلة والإرهاق النفسي الناتج عن الاستعداد الدائم لأسوأ الاحتمالات. ولا يقتصر الأمر على الخوف من المستقبل، بل يمتد إلى تهديد الاستقرار الذي وصل إليه الشخص بشق الأنفس.
كيف يظهر القلق على الجسد والحياة اليومية؟
عندما يستمر القلق فترة طويلة، قد تظهر أعراض جسدية ونفسية مختلفة. فمن الناحية الجسدية، قد يعاني الشخص صعوبة في النوم أو الاستيقاظ المتكرر، وتوتراً في الرقبة والكتفين، وخفقاناً أو تسارعاً في التنفس عند رؤية خبر متعلق بالموضوع، إضافة إلى إرهاق مستمر رغم عدم بذل مجهود جسدي كبير.
أما نفسياً، فقد يظهر القلق في صورة تفقد متكرر للأخبار، وصعوبة في التركيز، وانشغال ذهني دائم بالموضوع، أو انسحاب اجتماعي. وقد يحدث العكس أيضاً، كالحاجة المستمرة إلى الحديث عن الخوف والبحث عن الطمأنة.
كيف نعيش حياتنا رغم وجود خطر حقيقي؟
لا ترى د. رضا أن الحل يكمن في إلغاء القلق أو تجاهل الواقع، بل في الفصل بين الانتباه للخطر والعيش داخله طوال الوقت.
وتقترح تقسيم الأمور إلى ما يمكن التأثير فيه وما يقع خارج السيطرة. فالقرارات السياسية والتغيرات القانونية وما سيحدث في المستقبل ليست أموراً يستطيع الفرد التحكم بها مباشرة. لكنه يستطيع الحصول على معلومات قانونية موثوقة، وتنظيم يومه، والحفاظ على عمله وعلاقاته، والاهتمام بصحته ونومه. هذا الفصل لا يلغي المشكلة، لكنه يعيد إلى الشخص جزءاً من إحساسه بالقدرة على الفعل. كما تنصح بتنظيم وقته في رؤية الأخبار، بدلاً من إلغائها تماماً. فليس المطلوب تجاهل الواقع، بل اختيار وقت محدد لمتابعة الأخبار من مصادر موثوقة، بدلاً من تفقد الهاتف عشرات المرات يومياً. وقد تجعل المتابعة المستمرة الجهاز العصبي يتعامل مع الموضوع وكأن الخطر حاضر طوال الوقت.
ويمكن أن تساعد تمارين بسيطة، مثل التنفس البطيء، أو توجيه الانتباه إلى القدمين وملامستهما للأرض، أو ملاحظة الأشياء الموجودة حولنا، على إعادة الانتباه من السيناريوهات المستقبلية إلى اللحظة الحالية.
أما الدعم الاجتماعي، فتؤكد د.رضا أنه من العوامل المهمة في الوقاية من تفاقم القلق والصدمة لدى المهجّرين. فالحديث مع أشخاص موثوقين، وخاصة ممن يفهمون التجربة، قد يخفف الشعور بأن الشخص يواجه الخوف وحده.
.
متى نحتاج إلى مساعدة متخصصة؟
تنصح د. رضا بطلب دعم نفسي متخصص عندما يصبح القلق مستمراً لأسابيع، ويؤثر بوضوح على النوم أو العمل أو الحياة اليومية، أو عندما يصبح الشخص غير قادر على القيام بمسؤولياته بسبب الخوف. وتشمل المؤشرات أيضاً العزلة الشديدة، والشعور المستمر باليأس أو فقدان المعنى، أو ظهور أعراض مرتبطة بتجربة صادمة سابقة، مثل الكوابيس المتكررة والذكريات المقتحمة والتجنب الشديد أو الاستنفار المستمر. كما تؤكد أن الخوف الذي يشعر به كثير من السوريين في هذه الفترة لا يعني بالضرورة أنهم يبالغون، ولا أنهم عادوا إلى الماضي. فقد يحدث أن تلتقي ذاكرة قديمة مرتبطة بفقدان الأمان مع غموض حاضر يهدد شيئاً بُني بصعوبة.
والهدف ليس إلغاء القلق، بل ألا نسمح له باحتلال الحياة كلها: أن نعرف ما نستطيع التأثير فيه، وأن ننظم تعرضنا للأخبار، وأن نبقى قريبين من الأشخاص الذين يمنحوننا شعوراً بالأمان، وأن نطلب المساعدة عندما تصبح الحمولة أثقل من قدرتنا على حملها وحدنا. وتختتم د. رضا برسالة واضحة: “طلب المساعدة ليس علامة ضعف، بل خطوة عملية لإدارة ضغط حقيقي وخارج عن الإرادة، تماماً كما نطلب استشارة قانونية عندما نواجه موضوعاً قانونياً معقداً”.