Skip to main content

“حكايات الأرض الجريحة” حكايات الناس في الجنوب اللبناني 

"فيلم الحكايات الجريحة" كاميليا، ابنة نور بلوق والمخرج عباس فاضل، تسأل والدتها بعد وقف إطلاق النار، إن كان هناك قصف على النبطية، فتجيبها الأم بأنه لا يوجد. (Foto: Rita Mahlis)
"فيلم الحكايات الجريحة" كاميليا، ابنة نور بلوق والمخرج عباس فاضل، تسأل والدتها بعد وقف إطلاق النار، إن كان هناك قصف على النبطية، فتجيبها الأم بأنه لا يوجد. (Foto: Rita Mahlis)

إسرائيل تشن عدواناً على لبنان، تتكرر الغارات على مناطق الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، وتتزايد أعداد الضحايا ويطال الدمار المدنية بأكملها. في ظل هذا المشهد، يخرج المخرج الفرنسي-العراقي عباس فاضل ليحاكي الواقع كما هو، وينقل أصوات الناس ومآسيهم كما هي. 

فيلم “حكايات الأرض الجريحة”، هو وثائقي يوثق مآسي وصمود اللبنانيين في جنوب لبنان تحت العدوان الإسرائيلي، الذي غيّر المعالم الجغرافية للجنوب، كما حصد الفيلم جائزة أفضل إخراج في مهرجان لوكارنو السينمائي. 

الجنوب اللبناني يرفض أن يُقتلع 

يبدأ الفيلم بمشاهد لنوافذ تتطاير، وبيوتٍ تنهار وأرضٍ تهتزّ تحت وقع القصف، في افتتاحية تختزل قسوة اللحظة وتضع المشاهد مباشرة في قلب الحدث، ثم يوثق عودة الناس إلى قراهم بعد وقف إطلاق النار, إذ يرفعون الأعلام اللبنانية من فوق سياراتهم، بينما ينبعث صوت جوليا بطرس من داخلها وهي تردد: “إنّ تاريخ الإباء غيرُ نائم، يكتبُ عن أرضنا أرض الملاحم، عاب مجدك بالمذلّة والهزائم” لتمنح المشهد بعداً وجدانياً، يمزج بين  الفخر والألم، فالجنوب اللبناني حمل تاريخاً مثقلاً بالمواجهات والآلام، إذ مرّ بلحظات من الهزيمة والوجع، غير أن الإصرار على البقاء ظلّ حاضراً. ظهر ذلك جلياً في مشهد يجلس فيه أهالي إحدى القرى أمام منزلهم المدمر، إذ تقول إحدى النساء: “يعني هني فكروا إنو إذا خربوا البيوت إنو نحنا ما عاد نرجع؟ نحنا بنعبي الجلن وبنجلي فيه، ومنحط شاي وأبريق وحطب ومنقعد، يعني شو ما كان راجعين ولو بأقل مقومات الحياة”.

ثم يعود صوت جوليا بطرس ليملأ المشهد، وهي تردد: “منرفض نحنا نموت، قولولهن رح نبقى، أرضك والبيوت والشعب ال عم يشقى، هول إلنا يا جنوب يا حبيبي يا جنوب”. 

الجنوب يروي حكايته بعيداً عن خطابات الحرب

في فيلم “حكايات الأرض الجريحة”، الحرب ليست أرقام أو بيانات عسكرية أو خطابات سياسية، بل وجوه الناس وأصواتهم، أولئك الذين وجدوا أنفسهم في قلب القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان، يحمل كل واحد منهم حكاية لا تشبه الأخرى، لكنها تلتقي جميعاً عند الألم ذاته.

برفقة زوجته اللبنانية نور بلّوق وابنتهما الصغيرة كاميليا، يركز المخرج على التفاصيل التي غالباً ما تغيب عن التغطيات الإخبارية، بيتٌ انهار فوق ذكرياته، مكتبةٌ تحوّلت إلى رماد بما تحمله من إرثٍ معرفي، وحيواناتٌ لم تنجُ من القصف، وكأن الحرب لم تترك مساحة لأي شكل من أشكال الحياة. 

يتعامل المخرج مع “الأرض الجريحة” بوصفها البطل الحقيقي للفيلم، فالجنوب اللبناني هنا ليس مجرد مسرح للأحداث، بل كيان حيّ يروي حكايته بنفسه بما يختزنه من ألم ومعاناة.

“لن نترك فلسطين” حرب تتجاوز حدود سايكس بيكو 

كل قصة تُروى في الفيلم، ليست مجرد حادثة، بل جزء من نسيج إنساني تمزق على مرأى العالم. وكأن المخرج، لا يكتفي بنقل الألم المحلي، بل يسعى إلى تعميمه إنسانياً، ليقول إن ما يحدث هنا ليس استثناءً، بل نموذجاً لما يمكن أن تفعله الحروب بأي مجتمع في العالم. فالبيت الذي يُقصف هنا، يشبه بيتاً آخر في مكان آخر، والمكتبة التي تحترق، هي خسارة للذاكرة الثقافية جمعاء، لا لذاكرة فرد فقط. وهكذا، لا يُقاس أثر الحرب بحجم الدمار وحده، بل بما تتركه من ندوب في حياة الناس، أينما كانوا. 

وقد تجلى هذا المعنى في أكثر من مشهد، إذ يظهر  فيه حائط وسط الركام كُتب عليه: “لن نترك فلسطين”، في عبارة تختزل موقفاً يتجاوز حدود  المكان، وكأنها تؤكد أن ما يُعاش في لبنان يرتبط بسردية إنسانية وسياسية أوسع في فلسطين، حيث يصبح الألم مشتركاً رغم الحدود التي رسمتها اتفاقيات سايكس بيكو.

كاميرا تنحاز للناس 

ما يميّز الفيلم هو اختياره الانحياز الكامل لصوت الناس، دون وسائط أو تجميل. الكاميرا لا تتدخل، ولا تحاول إعادة تمثيل المأساة، بل تكتفي بالاقتراب، بالإنصات، وبنقل الحكايات كما هي. نور، التي تتولى نقل هذه الشهادات، لا تفرض سردية، بل تفتح مساحة للناس كي يقولوا ما يريدون قوله بطريقتهم الخاصة، وكأن الفيلم يصبح منصة لهم لا أكثر.

فالفيلم لا يسعى لإقناع المشاهد بقدر ما يدعوه للشعور. هنا، لا توجد حبكة تقليدية، بل تتابع إنساني ينبض بالحياة رغم الخراب، ويعيد تعريف معنى التوثيق، ليس بوصفه تسجيلاً للحدث فقط، بل كحفظ للذاكرة وكمواجهة للنسيان.

براءة الطفلة كاميليا في قلب فيلم وثائقي 

وفي مقابل هذا الثقل، يبرز حضور كاميليا كعنصر مختلف يخفف من حدّة المشهد. ببراءتها وعفويتها، تضيف لمسة إنسانية نادرة على فيلم وثائقي، فتتحرك بين التفاصيل دون تكلّف، وتطرح وجوداً بسيطاً، لتذكّر بأن الحياة تستمر حتى في أكثر اللحظات هشاشة.

“حكايات الأرض الجريحة” ليس فيلماً عن الحرب بقدر ما هو عن الناس داخلها، عن قدرتهم على الكلام وحتى على المزاح رغم الصدمة، وعن التمسك بما تبقى، ولو كان مجرد حكاية.

أمل باللغة الألمانية

يلا