“يُوقف شرطيان عاملَ بناء في الشارع دون سبب واضح. يحتجّ الرجل ويسأل عن السبب، فيتم توقيفه بالقوة. يقاوم، فيتعرض للضرب ويُنقل إلى المستشفى. هل كان هذا مبرراً؟” هذه القصة ليست خبراً عابراً، بل أساس تجربة علمية نُشرت في مجلة “Science Advances”، التي تعتبر واحدة من أهم المجلات العلمية في العالم لنشر الأبحاث الحديثة. وهدفت إلى فهم كيف يُقيّم الألمان عنف الشرطة عندما تختلف هوية الضحية
تفصيل صغير بأثر كبير
شارك في الدراسة نحو 16 ألف شخص، وقرأوا نفس القصة تماماً، مع اختلاف واحد فقط وهو اسم الضحية. نصفهم قرأ أن اسم العامل “توماس شنايدر”، والنصف الآخر عن “محمد أحمد”. بعد ذلك، طُلب منهم تقييم سلوك الشرطة على مقياس من 0 إلى 9. النتيجة أظهرت فرقاً واضحاً! المشاركون اعتبروا عنف الشرطة أخطر عندما كان الاسم ألمانياً. بينما اختلف التقييم واعتبروه أخف عندما كان الاسم يوحي بخلفية مهاجرة. الفارق كان في عشرات المشاركين فقط، لكنه ذو دلالة إحصائية قوية، ما يعني أن الاسم وحده يمكن أن يؤثر على الحكم.
حين تظهر الأدلة هل يتغير الحكم؟
في المرحلة الثانية، قُدمت للمشاركين معلومات إضافية، بينها فيديو يُظهر شرطياً يصرخ على الرجل ويهدده قبل أن يُطرح أرضاً ويُضرب، رغم أنه كان مقيّداً. هنا ارتفعت التقييمات إلى أكثر من 7 نقاط لدى الجميع، ما يعني أن العنف أصبح واضحاً. وفي مرحلة ثالثة، أكدت جهة رقابية مستقلة أن ما حدث كان غير مبرر. ورغم ذلك، بقيت فجوة في التقييم: بعض المشاركين ظلوا أقل اقتناعاً بخطورة العنف عندما كان اسم الضحية “محمد”. كما أظهرت النتائج أن ذوي التوجهات اليسارية عدّلوا مواقفهم مع ظهور الأدلة، بينما بقي المحافظون أكثر تمسكاً بأحكامهم الأولى، في ظاهرة وصفها الباحثون بأنها “مقاومة للمعلومات”.
تحيّزات أعمق من الوقائع
يرى الباحث جيهان سينان أوغلو، العامل في المركز الألماني لأبحاث الاندماج والهجرة (DeZIM)، أن هذه النتائج تعكس خطاباً عاماً يربط بين الهجرة والجريمة، وهو ما يُعرف بمفهوم “الأمننة” أو”Securitization” ، حيث يُنظر إلى الهجرة كتهديد أمني لا كقضية اجتماعية. هذا الربط يجعل بعض الناس أكثر ميلاً لتبرير عنف الشرطة بحق من يُصنَّفون أو يُنظر إليهم على أنهم مهاجرون. من جهتها، تشير هانا إسبين غراو، الباحثة في مجال العلوم السياسية ودراسات الشرطة والعدالة الجنائية بجامعة غوته فرانكفورت، إلى أن التجارب الشخصية تلعب دوراً مهماً أيضاً. فالأشخاص الذين لديهم احتكاك أكبر مع قضايا التمييز أو الشرطة يكونون أكثر حساسية لهذه الحالات.