Skip to main content

“نعيش الحرب من بعيد” الغربة اللبنانية بين العجز والحنين

صورة لمهدي أثناء زيارته إلى لبنان في أرز تنورين، وكانت هذه آخر زيارة له قبل بداية الحرب. (Foto: Mahdi Fawzi)
صورة لمهدي أثناء زيارته إلى لبنان في أرز تنورين، وكانت هذه آخر زيارة له قبل بداية الحرب. (Foto: Mahdi Fawzi)

في مدينة هادئة بألمانيا، يحاول مهدي فوزي، وهو طالب وصانع محتوى لبناني في الحادية والعشرين من عمره، أن يعيش حياة طبيعية كأي شاب يسعى وراء دراسته ومستقبله. لكن منذ اندلاع الحرب في لبنان، باتت حياته معلقة بين حاضر يفرض عليه الاستمرار رغم ثِقله، ووطنٍ يتهاوى تحت القصف والخوف والقلق اليومي الذي ينهش قلبه على أهله.


“كيف الوضع في لبنان؟” سؤال يستحضر مشاهد الحرب

يقول مهدي إن أكثر ما يرهقه ليس فقط الحرب نفسها، بل الأسئلة التي يسمعها باستمرار من المحيطين به، كسؤال “كيف الوضع في لبنان؟”. يضيف: “أعرف أن الناس تسأل بمحبة واطمئنان عنا وعن أهلنا، لكن السؤال بحد ذاته صار يشبه جرس إنذار يعيدني في كل مرة إلى كل المشاهد المؤلمة. بمجرد أن أسمعه أعود للتفكير: لماذا وصل بلدنا إلى هنا؟ ولماذا يستمر هذا الألم؟”.

لكن السؤال الأكثر قسوة بالنسبة إليه يبقى: “هل ستعود إلى لبنان؟”، يجيب مهدي: “العودة بالنسبة لنا ليست مجرد رحلة، بل عودة إلى أهلنا وبيوتنا وطمأنينتنا. كنت أنوي السفر في رمضان ولم أستطع، واليوم أخشى أن يطول الأمر فلا أتمكن من العودة هذا الصيف أو حتى في السنوات المقبلة. فكرة أن يُحرم الإنسان من بلده ومن أهله مرعبة جداً”.

“بين واقعين متناقضين” الغربة خلال الحرب تضاعف شعور العجز والخوف

ويشرح مهدي أن الغربة خلال الحرب تحمل شعوراً مضاعفاً بالعجز، لأن الإنسان يعيش بين واقعين متناقضين؛ بلد تبدو فيه الحياة طبيعية، ووطن يعيش القصف والخوف والنزوح، “أحياناً يتأخر أهلي في الرد على الهاتف لدقائق، لكن تلك الدقائق تتحول بالنسبة إليّ إلى ساعات من الرعب. تبدأ كل الاحتمالات السيئة بالدوران في رأسي: ماذا لو أصاب أحدهم مكروه؟ ماذا سأفعل، وأنا على بعد آلاف الكيلومترات عنهم؟”

ويستعيد مهدي أصعب اللحظات التي عاشها منذ بداية الحرب، عندما اضطر آلاف اللبنانيين إلى النزوح من الجنوب، “الطرقات كانت مغلقة، والصواريخ تتساقط بكثافة خانقة، والناس لا تعرف إلى أين تذهب. أهلي أمضوا ما يُقارب عشر ساعات على الطرقات قبل أن يتمكنوا من الوصول إلى مكان آمن، ولم نكن قادرين حتى على التواصل معهم. لم أشهد في حياتي الجنوب اللبناني بهذا الحجم من الخوف والدمار”.

“حادثة البيجر” مشهد لا يغادر الذاكرة 

أما المشهد الذي ما يزال يطارده حتى اليوم، فهو ما يصفه بـ”حادثة البيجر”، حين امتلأت المستشفيات بالجرحى بعد الانفجارات. يقول: “الضرر لم يقتصر على أشخاص محددين، بل أصيب أطفال ونساء أيضاً. رأينا أطفالاً فقدوا بصرهم وآخرين تعرضوا لإصابات دائمة. كانت المستشفيات مليئة بالدماء والجرحى، والطرقات كذلك. بالنسبة إلينا كان ذلك مشهداً يفوق قدرة الإنسان على الاحتمال”.

“حياتنا هنا، ولكن جزءاً منا يبقى هناك”

ورغم وجوده في ألمانيا، فإن الحرب انعكست بشكل مباشر على تفاصيل حياته اليومية. فمتابعة الأخبار بشكل مستمر استنزفته نفسياً إلى درجة دفعته لاحقاً إلى تخفيف متابعته حفاظاً على قدرته على الاستمرار ومواصلة حياته اليومية.

يصف مهدي شعوره: “في البداية كنت أتابع الأخبار طوال الوقت، لكنني اكتشفت أنني أنهار نفسياً. نحن مضطرون لأن نكمل حياتنا هنا، أن ندرس ونعمل، لكن الحقيقة أن جزءاً منا يبقى هناك دائماً”.

ويؤكد أن الحرب أثرت على دراسته ونومه وعلاقاته الاجتماعية وحتى نظرته إلى وجوده في الخارج، إذ يقول: “تبدأ بالدخول في دوامة الأسئلة الوجودية المثقلة بالألم: ما معنى وجودي هنا بينما أهلي وناسي يعيشون كل هذا الخوف؟ ماذا أفعل في ألمانيا بينما هناك من يفقد حياته كل يوم؟”.

كسر الصورة النمطية .. الأجانب يدركون حقيقة ما يجري

وبحكم عمله في صناعة المحتوى وسفره المتكرر، التقى مهدي بكثير من الأجانب الذين كان يعتقد أنهم يحملون صورة نمطية سلبية عن اللبنانيين والعرب، لكنه فوجئ -كما يقول- بأن كثيرين منهم يدركون حقيقة ما يجري. “الكثير من الأجانب يعرفون جيداً من هو المعتدي ومن هو الضحية، وبعضهم يدافع عن قضيتنا أكثر من أشخاص في منطقتنا العربية”.

ويرى مهدي أن ما يحدث في لبنان لا يستهدف منطقة بعينها أو فئة محددة، بل يطال اللبنانيين جميعاً، مضيفاً أن “الاعتقاد بأن المعاناة تخص منطقة دون أخرى هو فهم خاطئ لما يجري”.

لبنان سيستعيد عافيته 

ورغم كل ما يحمله من خوف وإرهاق نفسي وشعور دائم بالعجز، يتمسك مهدي بالأمل، ويختم حديثه قائلاً: “أقسى ما في الأمر أن ترى أهلك وبلدك يتألمون بينما لا تملك سوى الدعاء والاتصال للاطمئنان عليهم. لكن رغم كل شيء، يبقى أملنا بالله كبيراً، ونؤمن أن هذه المرحلة ستمر يوماً ما، وأن لبنان سيستعيد عافيته، مهما طال الألم”.


أمل باللغة الألمانية

يلا