قبل عام، في غرفة لا تتسع لأكثر من حلم كبير، التقت 14 روحاً من خلفيات متباينة، تحت سقف المدرسة الألمانية السورية للصحافة – أمل دمشق. لم نكن مجرد متدربين، كنا خريطة سوريا المصغرة بألوانها وتنوعها.
14 حكاية، 14 جرحاً، 14 حلماً، اجتمعت على أمل واحد: أن نكون جزءاً من صحافة تصنع المعنى، لا تنقل الخبر فقط. لم يكن اللقاء صدفة، بل مشروعاً متكاملاً أراد أن يزرع فينا روح الانتماء، وقيمة الاختلاف، وجوهر الصحافة كرسالة سلام وتقارب.
التنوع لم يفرقنا بل صنع قوتنا
كنا من حلب وإدلب، ومن الساحل والجزيرة، ومن دمشق ودرعا والسويداء، من كل بقعة رسمت حدودها على خريطة الوطن. كنا من طوائف ومذاهب وأديان مختلفة، حمل كل منا تراثه وهويته التي ظننا أنها تفرقنا. في البداية كنا غرباء، نظرات حذرة وأسئلة لم نجرؤ على طرحها. لكن الصحافة تبدأ حيث ينتهي الصمت، حيث يبدأ الاستماع الحقيقي.
تعرفنا على عادات بعضنا، على طقوس أعيادنا، على مخاوفنا وأحلامنا. تعلمنا أن نختلف باحترام، وأن نتحاور لا نتخاصم. هذا التنوع لم يكن عقبة، بل كان أكبر درس صحفي تلقيناه: الصحافة الحقيقية تولد في فضاءات مفتوحة، حيث تتلاقح الأفكار ليولد المعنى من رحم الاختلاف. صحافة بلا تنوع هي مجرد صدى، لكن صحافة تجمع كل سوريا تحت سقف واحد هي صحافة تعكس حقيقة هذا الوطن.
رحلة من غرباء إلى عائلة واحدة
الأجمل أننا لم نتعلم فقط كيف نختلف، بل تعلمنا كيف نحب بعضنا رغم كل شيء. كنا نتناقش بحدة، نتشاجر على زاوية التقرير، نختلف في الرؤى، لكننا كنا نخرج من كل نقاش أقوى، وأكثر فهماً للآخر، وأكثر إدراكاً بأننا معاً نصنع شيئاً أكبر من أي منا بمفرده. كنا نتعاون، نضحك معاً حتى البكاء في ليالٍ بيضاء، نبكي أحياناً عندما تخذلنا الظروف، لكننا كنا دائماً معاً، نسند بعضنا، ندفع ببعض للأمام. عائلة لم تلدها الدماء، بل ولدتها الكاميرات، وأجهزة التسجيل، ودفاتر الملاحظات.
تحت سقف واحد .. عبد الرحمن ويوليا قادة الحلم
البداية كانت مع عبد الرحمن عمرين مدير المدرسة، الذي علمنا أن القيادة الحقيقية لا تعني التسلط، بل الإحتواء، وأن المشروع لا ينجح إلا حين يشعر الجميع بأنهم جزء منه، بغض النظر عن هوياتهم. ويوليا غيرلاخ التي حملت خبرة ألمانية عريقة، وآمنت بنا منذ اليوم الأول، لم يكونا مشرفين فقط، بل من يمسك بأيدينا في البدايات المتعثرة ويعيدنا إلى الطريق.
إلى جانبهما، أساتذة صنعوا الفارق: أملود الأمير – علمتنا صحافة السلام وفن المقابلات، وأن السؤال الجيد نصف الإجابة، وفن الاستماع أحياناً أهم من فن الكلام. هيفاء عطفة – حملت راية اللغة، علمتنا أن الكلمة مسؤولية، والفصاحة دقة وأمانة. سوزان نصري – علمتنا الإلقاء والحضور أمام الكاميرا، كيف نقف ونتحدث بثقة. هيثم أبو طالب – علمنا التحري والدقة في الخبر ومصادره، كيف نبحث عن الحقيقة ولا ننساق وراء التسرع. خالد العبود – علمنا الذكاء الاصطناعي وتوظيفه في الصحافة، كيف نستخدم الأدوات الذكية لتطوير العمل. روني درويش –عملنا مونتاج الفيديو وقرّب التقنيات الصحفية إلينا، وأزال الخوف من الأدوات الرقمية. كل واحد منهم آمن بنا، وأصر على أن نكون أفضل مما نظن.
عام من التحديات .. والجيل الأول يمد يده للجيل الجديد
عام مليء بالمواعيد، والتقارير الميدانية، وليالٍ بيضاء، وتحديات لم تكسرنا. خرجنا إلى الشوارع في الحر والبرد، نلاحق الحقيقة، نتعلم من أخطائنا، ونعود أقوى. كنا ننهك، لكننا كنا نتذكر أننا لسنا وحدنا.
نحن الجيل الأول. حملنا المشعل، وزرعنا البذرة. اليوم انطلق جيل جديد بعدنا، ونحن هنا نمد أيدينا لهم، لنعلمهم ليس فقط فنون الصحافة، بل روح العائلة وقيمة التنوع، وكيف تكون الصحافة أداة سلام لا صراع. سنروي لهم قصتنا، كيف كنا غرباء فأصبحنا عائلة، وكيف تحول الخوف إلى ثقة، والتنوع من تهديد إلى ثراء.
أمل دمشق، أمل برلين، أمل الصحافة، أمل الجيل الجديد
كلها أسماء لشيء واحد: الإيمان بأن الغد أفضل، وأننا قادرون على صناعته بأيدينا. لأن الأسرة تمتد، والصحافة تبقى، والأمل لا يموت. والأجمل أن هذا الأمل، الذي بدأ معنا، سيمتد لأجيال، وكل جيل سيضيف إليه من روحه، ومن خبرته، ومن حبه لهذه المهنة التي تجمع ولا تفرق، تبني ولا تهدم، وتصنع السلام حين تغيب كل الأدوات، لأن الصحافة قد تكون آخر جسر يبقى عندما تنهار كل الجسور.
ريم فرج – دمشق