Skip to main content

زاكسن أنهالت، أين ذهبتِ بنسائك؟

المنشور الانتخابي الذي وزعته مبادرة "ReVision26" في زاكسن-أنهالت، ويسلط الضوء على ست نقاط تنتقد رؤية حزب البديل (AfD) للمرأة ودورها التقليدي، بما في ذلك "هجرة النساء" و "فائض الرجال". Foto: Abdullah Alqaseer
المنشور الانتخابي الذي وزعته مبادرة "ReVision26" في زاكسن-أنهالت، ويسلط الضوء على ست نقاط تنتقد رؤية حزب البديل (AfD) للمرأة ودورها التقليدي، بما في ذلك "هجرة النساء" و "فائض الرجال". Foto: Abdullah Alqaseer

في أحد الصباحات، وجدت في صندوق بريدي منشوراً بعنوان مستفز: “تغيير الحفاضات طوال العمر؟”. لم ‏يكن مختلفاً، ‏للوهلة الأولى، عن عشرات الأوراق التي تزدحم بها صناديق البريد مع اقتراب الانتخابات ‏في زاكسن-أنهالت‎.‎ في البداية لم أفهم كل كلمة في المنشور، لكنني فهمت ما يكفي لأقلق.‏

المنشور الصادر عن مبادرة ‏Revision26‎‏ ومقرّها في مدينة ‏Halle، ينتقد بوضوح سياسة حزب ‏البديل ‏من أجل ألمانيا ‏AfD‏ تجاه النساء، ويتناول قضايا الأسرة والعمل والرعاية والهجرة والعنف. ومع ‏ذلك بدا من السهل أن ‏أفهمه للوهلة الأولى بوصفه مجرد مناكفة سياسية أخرى في موسم انتخابي، ثم ‏أضعه جانباً‎.‎

لكن رقماً صغيراً استوقفني في النقطة السادسة: 117 رجلاً مقابل كل 100 امرأة بين الشباب دون سن ‏الثلاثين في ‏زاكسن أنهالت‎.‎ هذه الأرقام المستندة إلى بيانات المكتب الإحصائي لولاية زاكسن أنهالت تبدو باردة إلى أن نحاول ‏تخيلها‎.‎

سبعة عشر رجلاً زادوا

مئة امرأة، ومئة وسبعة عشر رجلاً. سبعة عشر رجلاً يصنعون ما تسميه الإحصاءات فائضاً ذكورياً. ‏لا أعرف أسماءهم، ولا ‏أين يعيشون، ولا إن كانوا يبحثون أصلاً عن شريكات او شركاء، لكن الرقم ‏جعلني أفكر للمرة الأولى في الوحدة ‏بوصفها احتمالاً ديموغرافياً، لا شعوراً فردياً فقط‎.‎

وربما يكون التناقص النسبي للنساء الشابات واحداً من التحولات التي ينبغي أن تُقلق الرجال الشباب ‏في زاكسن أنهالت ‏أيضاً، مع تحول بعض المناطق، ولو ببطء شديد، إلى أماكن يغلب عليها الرجال‎.‎ وبجدية أكبر، فتحت المنشور مرة أخرى. واستعنتُ بمترجم في هاتفي لترميم ما تعجز عنه قدراتي في ‏اللغة الألمانية.

حياة سعيدة

المنشور ينتقد رؤية أسرية شديدة المحافظة للـ ‏AfD، رؤية تُعيد تعريف دور المرأة أساساً من خلال ‏الإنجاب ورعاية ‏الأطفال، ثم رعاية كبار السن، وكأن هذه الأدوار يمكن فصلها عن استقلالها ‏الاقتصادي والمهني‎.‎‏ ‏

ولا شك أن مناصري هذه الرؤية يرون فيها استعادة لدور اجتماعي يعتقدون أن الدولة والسوق أهملاه ‏لعقود، وحماية ‏للأسرة من ضغوط اقتصادية يرون أنها فَرضَت على النساء عبئاً مزدوجاً بين العمل ‏والرعاية. وهو منطق يمكن فهم ‏دوافعه حتى من دون الاقتناع به. لكن معالجة هذا العبء بإعادة المرأة ‏إلى أدوار أكثر تقليدية تشبه معالجة الازدحام ‏المروري بإغلاق أحد مسارات الطريق. ‏

ولكن هذا المنطق يفرض أسئلة أكثر إزعاجاً. فنحن نتحدث عن ولاية تعاني أصلاً من رحيل الشابات، ‏وفي الوقت نفسه عن خطاب ‏سياسي يقدم لهن تصوراً أكثر تقليدية لدورهنّ في المجتمع. هل يجعل ذلك ‏البقاء هنا أكثر جاذبية لهنّ، أم أنه قد يدفع في الاتجاه المعاكس؟

عودة إلى إعدادات المصنع

هنا، في شرق ألمانيا تحديداً، وبحسب خبرتي المتواضعة، تكتسب المسألة معنى آخر، فلنساء الشرق ‏تاريخ طويل من ‏الحضور القوي في سوق العمل والاستقلال الاقتصادي النسبي. إذ كان عمل المرأة طوال ‏عقود هنا جزءاً طبيعياً من الحياة ‏اليومية ومن صورتها عن نفسها ومكانها في المجتمع‎.‎‏ ولم يكن يوماً ‏استثناءً أو امتيازاً حزبياً. فكيف يمكن لخطاب حزبي ‏اليوم أن يطلب منها التراجع عن كل ذلك؟ أو أن ‏يقول لها ولكل ما أنجزته: شكراً، لدينا اليوم ‏Update‏ سياسي للنظام، ‏ونرجو العودة إلى الإعدادات ‏الافتراضية.‏

ما أضيق العيش

وبالطبع، سيكون تبسيطاً شديداً أن نفسر رحيل الشابات عن زاكسن أنهالت بالخطاب السياسي وحده. ‏فالجامعة، وفرص ‏العمل، والأجور، واتساع الخيارات في المدن الكبرى، ونوعية الحياة، كلها عوامل ‏تتداخل في قرار شخصي معقد كهذا‎.‎‏ ‏لكن هذا لا يلغي السؤال‎.‎

حين تكون الولاية أصلاً في منافسة مع برلين ولايبزيغ ومدن الغرب على إبقاء شبابها، فهل من الحكمة ‏أن نقدم للمرأة ‏الشابة تصوراً للمستقبل يبدو أضيق من الحياة التي تستطيع العثور عليها في مكان آخر؟

والمشكلة، في رأيي، ليست أن الرجال قد لا يجدون نساءً يتزوجونهن. فتلك ستكون، للمفارقة، طريقة ‏أخرى للنظر إلى ‏المرأة من خلال حاجتنا إليها‎.‎

كارثة بالتقسيط المريح

المشكلة الأعمق أن مدينة تغادرها شاباتها تقول شيئاً عن نفسها‎.‎‏ شيئاً لا تقوله بصوت عالٍ.‏ فحين تتكرر القرارات الفردية الصغيرة آلاف المرات، تتحول إلى أرقام في جداول الديموغرافيا‎.‎

فكّرت أن المدن لا تفرغ دفعة واحدة. لا نستيقظ صباحاً فنكتشف أن أحداً رحل. يحدث الأمر على مهل. ‏يبدأ بمقعد فارغ في ‏الجامعة، موظفة وجدت عملاً في مدينة أخرى، شابة لم تعد بعد التخرج، وأسرة ‏كان يمكن أن تبدأ هنا وبدأت في مكان ‏آخر‎.‎

ويصبح الاختلال السكاني قضية مجتمع بأكمله، في سوق العمل وفي تكوين الأسر، والعلاقات، وفي ‏تشكّل القرى والمدن بعد عشرين عاماً على سبيل المثال.‏ وهنا تظهر مفارقة يصعب تجاهلها. فالحديث عن حماية الأسرة يفترض أولاً وجود جيل شاب يرى ‏مستقبله هنا، لا في مكان آخر.‏

أعدت طي المنشور، الذي كان يجب، برأيي، تصميمه على شكل حفاضة، ووضعته على الطاولة. بقيت ‏أتأمل صورة المرأة التي على غلافه وهي تنظر نحوي. امرأة مولدة ‏بالذكاء الاصطناعي، لا تعرف ‏شيئاً عن الإحصاءات ولا عن الأحزاب وصراعاتها. وبقي الرقم في رأسي: 117 مقابل 100‏‎.‎

ولهذا ربما نخطئ أحياناً في صياغة سؤال الهجرة في زاكسنأنهالت‎.‎‏ ففي النقاش السياسي الدائر اليوم، ‏نسمع كثيراً العبارات التي تهدد وجود المهاجرين، من يحقّ له أن يبقى؟ ومن ينبغي أن يغادر؟
لكن الرقم الذي بقي أمامي قادني إلى سؤال آخر:‏
من الذي ما زال يريد البقاء؟

الروائي والصحفي- عبد الله القصير- هاله ساله

أمل باللغة الألمانية

يلا