قبل عشر سنوات، كان “الأمل” مجرد اسم اختاره مجموعة من الصحفيين الذين وجدوا أنفسهم في بلد جديد، يحمل كل منهم قصته ولغته وذاكرته، ويحاول أن يجد لنفسه مكاناً في عالم لم يكن يعرفه جيداً. اليوم، وبعد عقد كامل، لم يعد الاسم مجرد عنوان لمنصة إعلامية، بل صار حكاية طويلة عن صحفيين عبروا الحدود، وحملوا مهنتهم معهم، ووجدوا في الصحافة طريقاً لفهم المكان الجديد، ولأن يُسمِعوا أصواتهم وأصوات مجتمعاتهم.

في برلين، حيث بدأت الحكاية عام 2016، اجتمع عشرة صحفيين من سوريا وبلدان أخرى في ورشة عمل، ربما لم يكن أحد منهم يتخيل أن تلك الخطوة الأولى ستقود إلى شبكة إعلامية يعمل فيها اليوم 26 صحفياً وصحفية، وتصل أخبارها ومحتوياتها إلى جمهور متعدد اللغات في ألمانيا وأوروبا.
وبعد عشر سنوات، لم يكن الاحتفال مجرد استعادة للذكريات. كان لحظة للتوقف قليلاً أمام الطريق الذي قطعته “أمل”، والوجوه التي مرت بها، والقصص التي كتبتها، والأصدقاء والقراء الذين أصبحوا جزءاً من هذه الرحلة.
في الأمسية التي أقيمت في برلين، اجتمع نحو 250 شخصاً للاحتفال بعقد من الصحافة والعمل والأمل. وبين الموسيقى والضحكات والذكريات، بدا واضحاً أن السنوات العشر لم تكن مجرد سنوات في عمر مؤسسة إعلامية، بل سنوات من حياة أشخاص تغيّرت مدنهم، ولغاتهم، ومهنهم، بينما بقيت الصحافة خيطاً يصل بين الماضي والحاضر.

من ورشة صحفية إلى شبكة إعلامية
بدأت قصة “أمل نيوز” في خريف عام 2016، عندما اجتمع عشرة صحفيين من منطقة الشرق الأوسط، كانوا قد وصلوا إلى ألمانيا كلاجئين، في ورشة عمل نظمتها المدرسة الإنجيلية للصحافة في برلين.
لم يمض وقت طويل حتى قرر المشاركون تأسيس غرفة أخبار خاصة بهم، لتتحول المبادرة إلى منصة إعلامية تحمل اسم “أمل برلين”. ومنذ ذلك الحين، بدأت المنصة في إنتاج محتوى يتناول السياسة والثقافة والحياة اليومية، باللغات العربية والأوكرانية والداري والفارسية.
وتوسعت التجربة تدريجياً، ففي عام 2019 انضمت إليها أمل هامبورغ، ثم أُطلقت أمل فرانكفورت عام 2023. ومع اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022، تأسس القسم الأوكراني. واليوم يعمل في أمل نيوز26 صحفياً وصحفية من سوريا وإيران وأفغانستان وأوكرانيا.

صحافة تساعد الوافدين الجدد على فهم حياتهم الجديدة
منذ تأسيسها، ارتبطت مهمة “أمل نيوز” بفكرة أساسية تتمثل في مساعدة الوافدين الجدد على فهم المجتمع الذي يعيشون فيه، والوصول إلى المعلومات التي تساعدهم على اتخاذ قراراتهم اليومية والمشاركة في الحياة العامة.
من برلين إلى هامبورغ وفرانكفورت.. ثم دمشق
لم تتوقف رحلة “أمل نيوز” عند المدن الألمانية. ففي عام 2025، وبعد سقوط نظام بشار الأسد، أُطلقت في دمشق “مدرسة أمل نيوز للصحافة”، التي تعمل على تدريب صحفيين شباب، فيما يجري حالياً إعداد الدفعة الثانية من غرفة الأخبار التدريبية.
ويركز التدريب في المدرسة، من بين موضوعات أخرى، على التعامل مع خطاب الكراهية والمعلومات المضللة، في محاولة لتعزيز المهارات المهنية للصحفيين ودعم إعلام قادر على التعامل مع التحديات الجديدة في البيئة الإعلامية.
وهكذا امتدت تجربة “أمل” لكنها حافظت على فكرة أساسية رافقت المشروع منذ بدايته: أن الصحافة يمكن أن تكون وسيلة للمساعدة على فهم الواقع، وخلق مساحة للتواصل بين المجتمعات.
الذكاء الاصطناعي في غرفة الأخبار
لم تكن الذكرى العاشرة مجرد مناسبة لاستعادة الماضي، بل حملت أيضاً نقاشاً حول مستقبل الصحافة. وخلال المؤتمر الذي سبق الاحتفال، قدمت “أمل نيوز محرراً يعتمد على الذكاء الاصطناعي، في خطوة تعكس اهتمام الشبكة بالتطورات التقنية وتأثيرها في العمل الصحفي، ولا سيما بالنسبة إلى المؤسسات الإعلامية متعددة اللغات.
وناقش صحفيون وإعلاميون خلال جلسة متخصصة كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد غرف الأخبار، وما الفوائد التي يمكن أن يوفرها، إلى جانب المخاطر والتحديات التي قد ترافق استخدامه.

من تبادل الخبرات إلى مشاريع مشتركة
خصص جزء من المؤتمر لمناقشة مستقبل التعاون بين المؤسسات الإعلامية متعددة اللغات، وبحث المشاركون سبل الاستفادة من الخبرات المختلفة وتبادل المقالات والفيديوهات والمحتوى، إلى جانب إمكانية تنفيذ تحقيقات صحفية مشتركة ومشاريع عابرة للحدود.
كما ناقش المشاركون إمكانية تنظيم زيارات تحريرية وبرامج تدريب وتبادل للخبرات، فضلاً عن تطوير مشاريع مشتركة يمكن التقدم بها إلى برامج التمويل الأوروبية.
ولم يكن الهدف من اللقاء الاكتفاء بتبادل التجارب، بل الانتقال إلى بناء آليات أكثر انتظاماً للتعاون بين المؤسسات الإعلامية المشاركة، بما يسمح بتقاسم الموارد والخبرات وإنتاج محتوى مشترك.

عشر سنوات.. والقراء في قلب الاحتفال
في المساء، انتقل الاحتفال من قاعات النقاش إلى أجواء أكثر احتفالية، مع حضور نحو 250 شخصاً. وتضمن البرنامج استعادة عدد من محطات السنوات العشر، من خلال قصص وذكريات شاركتها مؤسستا «أمل» جوليا وكورنيليا غيرلاخ، قبل تقطيع قالب الحلوى احتفالاً بالذكرى.
لكن أحد أبرز محاور الأمسية كان الحوار مع القراء، الذين وضعتهم “أمل نيوز” في مركز الاحتفال. فبعد عشر سنوات من إنتاج الأخبار والتقارير بلغات متعددة، كان من الطبيعي أن تكون أصوات الجمهور جزءاً من الحديث عن التجربة ومستقبلها. وتخلل الأمسية أيضاً عرض من داخل غرفة أخبار “أمل”، إلى جانب فقرات موسيقية وغنائية، ومأكولات، وعروض قدمها فنانون وفرق من خلفيات مختلفة.
عشر سنوات من “الأمل”
من عشرة صحفيين اجتمعوا في ورشة عمل في برلين عام 2016 إلى شبكة تضم اليوم 26 صحفياً وصحفية، قطعت “أمل نيوز” خلال عقد مسافة طويلة.
تغيرت المدن، وتعددت اللغات، وتبدلت الأدوات الصحفية، وظهرت تحديات جديدة، من التضليل وخطاب الكراهية إلى الذكاء الاصطناعي وصعود الخطابات الشعبوية اليمينية في أوروبا. لكن الفكرة التي انطلقت منها “أمل” بقيت حاضرة: إنتاج صحافة تساعد الناس على فهم المكان الذي يعيشون فيه، وتمنحهم مساحة للمشاركة والتعبير.
وبعد عشر سنوات، لم يعد الاحتفال مجرد مناسبة لاستعادة البداية، بل فرصة للنظر إلى العقد المقبل: كيف يمكن للإعلام متعدد اللغات أن يتطور، وكيف يمكن لشبكات الصحفيين أن تتعاون، وكيف يمكن للصحافة أن تحافظ على دورها في زمن تتغير فيه طرق إنتاج المعلومات واستهلاكها بسرعة غير مسبوقة.

