Skip to main content

تخليد الذاكرة.. الدرس الألماني الذي تحتاجه سوريا المستقبل

حجارة العثرة (Stolpersteine) في شوارع برلين تعيد إحياء ذكرى الضحايا فريتز وشارلوت ميناريك وتوثق مأساة ملاحقتهما من قِبل النظام النازي. (Foto: Khalid Al Aboud /Amal news)
حجارة العثرة (Stolpersteine) في شوارع برلين تعيد إحياء ذكرى الضحايا فريتز وشارلوت ميناريك وتوثق مأساة ملاحقتهما من قِبل النظام النازي. (Foto: Khalid Al Aboud /Amal news)

نشرت صحيفة “تاتس” (TAZ) اليومية في منتصف نيسان الماضي مقالة تحت عنوان “كان يخطو في الدروب ذاتها” حملت توقيع الصحفي الألماني غيرون سميث. تدور المقالة حول مشروع مدرسي انطلق برحلة البحث عن اسم، لينتهي بتخليد ذكرى طفل يهودي كان ضحية معسكرات الاعتقال النازية، حيث تبين أنه كان يسير على الطريق نفسها التي يسلكها التلاميذ يومياً إلى مدرستهم الحالية.

مشروع مدرسي يُحيي ذكرى طفل

هذا الطفل هو بيتر نويدينغ (Peter Neuding)، الذي كان يعيش في شارع “فال شتراسه” ببرلين (موقع المدرسة اليوم)، من مواليد عام 1927، وجرى ترحيله في شباط 1943 إلى معسكر “أوشفيتز” الواقع في بولندا الحالية وكان حينها في الخامسة عشرة من عمره، بينما ظل تاريخ وفاته مجهولاً. ومن خلال البحث في الأرشيفات، تمكن التلاميذ من جمع وثائق كثيرة وإعادة بناء قصة عائلة بيتر التي مزقتها سياسات الاضطهاد النازية. واختتم المشروع — بحسب الصحيفة — بفعالية حضرها نحو 150 تلميذاً ومعلماً وبعض سكان المنطقة، جرى خلالها وضع “حجارة العثرة” تخليداً لبيتر وأفراد آخرين من عائلته كانوا يعيشون في العنوان نفسه.

حجارة العثرة.. فكرة ومعنى

حجارة العثرة التي خلدت ذكرى بيتر وعائلته هي جزء من مشروع فني يحمل الاسم ذاته، وهو الترجمة العربية للكلمة الألمانية (Stolpersteine). انطلق هذا المشروع عام 1992 على يد الفنان الألماني غونتر دمنيع (Gunter Demnig)، كنوع من التمرد على النصب التذكارية الضخمة والتقليدية. وتتلخص فكرته في إعادة أسماء الضحايا إلى الأحياء والشوارع التي عاشوا فيها كجيران، قبل أن يتم ترحيلهم أو قتلهم على يد النظام النازي.

اسم المشروع مشتق من مقولة ألمانية قديمة، لكن الفنان يقصد بها — بحسب الموقع الرسمي للمشروع — أن يتوقف السائر في الطريق وينحني ليقرأ عبارة: “هنا عاش”، متبوعة باسم الشخص، وتاريخ ميلاده، وتاريخ ترحيله، ومصيره؛ سواء كان الاغتيال في معسكرات الاعتقال، أو النجاة عبر النفي واللجوء والهجرة. وتُنقش هذه المعلومات على لوحات نحاسية تغطي مكعبات خرسانية صغيرة بأبعاد تبلغ 10×10 سنتيمترات، تُثبت في أرصفة المشاة مباشرة أمام المنازل أو أماكن العمل الأخيرة التي اختارها الضحايا بحريتهم قبل اعتقالهم أو نفيهم.

مئة ألف حجر في ثلاثين دولة

الحجر الذي يحمل اسم بيتر وعائلته هو واحد من بين أكثر من 100 ألف حجر تنتشر في ما يزيد على 30 دولة أوروبية، من بينها ألمانيا التي تضم عاصمتها برلين وحدهـا أكثر من 10 آلاف حجر.

ولم يبرع الألمان في الصناعات والابتكارات العلمية والفنية فحسب، بل تميزوا أيضاً في مأسسة ذاكرتهم المثقلة بالانتهاكات؛ إذ تملأ شوارع برلين أسماء ضحايا الحقبتين النازية والشيوعية في ألمانيا الشرقية السابقة، لتصبح ثقافة “الاعتراف والاعتذار للضحايا” ركيزة أساسية في بناء الدولة الحديثة.

درس لسوريا المستقبل

وأنا أقرأ مقالة صحيفة “تاتس”، أدركتُ أن هذا المشروع ليس مجرد نشاط مدرسي، بل هو درس عميق في العدالة الانتقالية. لم يقتصر الأمر على البحث الأرشيفي، بل وجه العملية بأكملها نحو إعادة الاعتبار لطفل هُمش وقُتل بسبب هويته أو موقفاُ اتخذته عائلته.

هذا المشهد يستدعي تلقائياً المقارنة مع الواقع السوري؛ فكم من مدرسة قصفها النظام السوري وحلفاؤه الروس أثناء الحصص الدراسية، لتتحول جدرانها إلى شواهد على الجريمة؟ وكم من تلميذ شُطب اسمه من دفاتر الحضور والغياب منذ عام 2011 دون أن يحظى حتى بشاهدة قبر تخلد ذكره؟ إن هؤلاء الضحايا يستحقون ألّا تُنسى قصصهم، وأن تُنقش أسماؤهم في مدارس سوريا المستقبل، لنؤكد للأجيال القادمة أن من سرق أحلامهم لن ينجح في محو ذاكرتهم.

أمل باللغة الألمانية

يلا