تُحيي ألمانيا ذكرى يوم الوحدة الوطنية في الثالث من تشرين الأول/ أكتوبر، وسط مفارقة لافتة ترسم ملامح المشهد العام؛ ففي حين تحتضن الساحات الرسمية والمهرجانات الشعبية مظاهر الابتهاج، تكشف مؤشرات الرأي العام عن هوة نفسية واقتصادية متزايدة لا تزال تفصل بين الشرق والغرب بعد مرور 36 عاماً على سقوط الجدار وإعادة التوحيد.
فجوة تتسع وانقسام في المزاج العام
أظهر استطلاع رأي موسع شارك فيه أكثر من 50 ألف شخص، أجرته شبكتا “NDR” و”MDR” الألمانيتان تحت عنوان “متوحدون لكن غير متفقين؟”، أن الأغلبية باتت تستشعر ركوداً أو تراجعاً في مسار التلاحم الوطني. وأفاد 60% من المستطلعين في الشمال بأن شطري البلاد لم يندمجا في أمة واحدة متماسكة، في حين رأى 90% منهم إما أن الهوة تزداد اتساعاً بين الطرفين أو أن جهود التقارب بلغت طريقاً مسدوداً.
وقفزت نسبة من يرون تباعداً صريحاً بين الشرق والغرب في مدينة هامبورغ وحدها إلى 60% هذا العام، مقارنة بـ 44% في عام 2025. وتتنوع أسباب هذا الشرخ تبعاً للجغرافيا؛ فبينما يرى نحو 80% من مواطني الولايات الشرقية (كسكسونيا وتورينغن وسكسونيا آنهالت) في فوارق الأجور وتراجع البنية الاقتصادية وغياب الطبقة الوسطى العائق الأكبر أمام الوحدة، يُرجع ثلثا المستطلعين في الغرب المعضلة إلى تباين التوجهات السياسية وسقف التوقعات من الدولة.
كما يبرز غياب التقدير لإنجازات جيل الشرق السابق وتضحياته في ظل النظام القديم كأحد محركات الإحباط في الولايات الشرقية؛ حيث يرى أكثر من 60% من سكان تلك المناطق أن تجاربهم لا تحظى باعتراف منصف من الغرب. وينعكس هذا الاحتقان في الصعود اللافت لحزب “البديل من أجل ألمانيا” (AfD)، الذي يرى 61% من المستطلعين في الشمال أنه يلامس قضايا الشرق بفاعلية أكبر من الأحزاب التقليدية، وإن أرجع قطاع عريض هذا الصعود إلى حالة عامة من خيبة الأمل تجاه النخب السياسية، وفجوة متنامية تفصل بين الحواضر الكبرى والمناطق الريفية.
بريمن: استحضار الرمزية والتنوع في قلب الاحتفالات
في خضم هذا السجال المجتمعي، تحولت مدينة بريمن—التي تترأس الدورة الحالية لمجلس الولايات (البوندسرات)—إلى ساحة احتفالية ضخمة تستقبل نحو 400 ألف زائر، بمشاركة كبار مسؤولي الدولة الاتحادية. وانطلقت الفعاليات الشعبية المقررة على مدار ثلاثة أيام تحت شعار: “قوى متعددة – وطن واحد”.
وشهد الافتتاح الرسمي كلمة لرئيس مجلس الولايات وعمدة بريمن، أندرياس بوفنشولته (من الحزب الاشتراكي الديمقراطي)، استلهم فيها رمزية النصب التاريخي الشهير لمدينته “موسيقيو بريمن”، مؤكداً أن التمايز والتنوع هما سر قوة المجتمع، قائلاً: “أربعة حمير لم تكن لتحدث أي فارق”. واعتبر بوفنشولته أن الفوارق بين الشرق والغرب تراجعت جذرياً على مدار العقود الثلاثة الماضية، مشدداً على أن استمرار بعض التباينات يظل أمراً طبيعياً ولا يدعو للقلق، واصفاً الاحتفالات بأنها تجسيد لـ “الوحدة المعاشة”.
ويشهد الحفل الرسمي مشاركة نخبة من القيادات السياسية، في مقدمتهم الرئيس الاتحادي فرانك فالتر شتاينماير، والمستشار الاتحادي فريدريش ميرتس، ورئيسة البرلمان الاتحادي (البوندستاغ) يوليا كلوكنر. وكانت كلوكنر قد استبقت المناسبة بالدعوة إلى تقبل التنوع والتعايش مع الاختلاف، مؤكدة أن “الوحدة لا تعني التطابق التام”، بل تقتضي الاستعداد لخوض النقاشات الصعبة وإبرام التنازلات وصون الحقوق الأساسية، مع ضرورة الالتفات إلى الندوب التاريخية للانقسام دون إغفال المنجزات المتحققة.
700 فعالية تكرس ثقافة الحوار
وتتضمن أجندة الاحتفالات في المدينة الهانزية أكثر من 700 فعالية مجانية تتوزع على ما يزيد عن 100 منصة في قلب المدينة وعلى ضفاف نهر فيزر؛ حيث تتنوع الأنشطة بين الحفلات الموسيقية، والعروض المسرحية، وحلقات النقاش السياسي، والمعارض التفاعلية.
وتتيح “ممشى الولايات” للمشاركين استكشاف الثقافات المحلية للولايات الألمانية الخمس عشرة الأخرى، إلى جانب منصات مخصصة للهيئات الدستورية الاتحادية—مجلس الولايات، والبرلمان، والحكومة، والمحكمة الدستورية—لتعريف المواطنين بآليات عمل النظام الديمقراطي. وبينما تستمر العروض الفنية، يبقى التحدي الأبرز الماثل في أذهان الألمان هو كيفية تحويل التباينات الجغرافية والاقتصادية من بؤر للتباعد إلى روافد تثري النسيج الديمقراطي الموحد.