تواجه ألمانيا جدلاً سياسياً واسعاً حول مستقبل دورات الاندماج، بعد أن كشفت بيانات وزارة الداخلية الاتحادية عن تراجع حاد في أعداد المشاركين. وفي ظل ضغوط اقتصادية متصاعدة وانقسام سياسي حاد، بات ملف الاندماج في قلب النقاش العام الألماني.
الأرقام تنذر بالخطر
تراجع عدد المشاركين الجدد في دورات الاندماج عام 2025 إلى 307 آلاف شخص، مقارنةً بأكثر من 363 ألفاً في كل من عامَي 2023 و2024. وبالفعل، يعكس هذا التراجع تحولاً جذرياً في سياسة الاندماج الألمانية، إذ باتت هذه الدورات مقتصرةً على من تتوفر لهم فرص واقعية للبقاء في البلاد. وفي المقابل، حُرم منها طالبو اللجوء الذين لا تزال قضاياهم معلقة.
قرار حكومي مثير للجدل
اتخذت وزارة الداخلية الاتحادية بقيادة الوزير ألكساندر دوبرينت قراراً بتقليص تمويل دورات الاندماج، مبررةً ذلك بارتفاع التكاليف التي تبلغ عدة آلاف من اليوروهات لكل مشارك. وبموجب هذا القرار، لم تعد الدورات متاحةً لمن هم في مراحل اللجوء ذات النتائج غير المضمونة.
علاوة على ذلك، أُلغيت الدورات المتخصصة للشباب والأمهات والنساء اعتباراً من ديسمبر 2024، مما ضيّق نطاق البرنامج الذي استفاد منه قرابة أربعة ملايين شخص منذ إطلاقه قبل عشرين عاماً.
مجلس الولايات يتحرك ويطالب بالتراجع
في مواجهة هذا القرار، أصدر مجلس الولايات قراراً رسمياً يطالب فيه الحكومة الاتحادية بالتراجع عن هذه القيود. وأكد المجلس أن الأشخاص الساعين إلى الإقامة الدائمة بحاجة ماسة إلى اكتساب مهارات اللغة الألمانية، وأن منعهم من ذلك يُعدّ قراراً مضاداً للإنتاجية. وفي السياق ذاته، وقّع كل من اتحاد المدن الألمانية واتحاد الأقاليم واتحاد البلديات وثيقةً مشتركة تدعم هذا الموقف.
وزيرة الاندماج: اللغة هي البداية
وصفت وزيرة الاندماج في ولاية راينلاند-بفالتس كاثارينا بينتس قرار وقف القبول الطوعي في الدورات بأنه “إشارة خاطئة تماماً على صعيد سياسة الاندماج.” وأضافت أمام مجلس الولايات في برلين: “الاندماج يبدأ باللغة”، مؤكدةً أن هذا القرار يعرقل الاندماج في أحرج مراحله وأكثرها أهمية.
أعداد المتسربين في تصاعد
لا تقتصر المخاوف على تراجع الالتحاق، بل تمتد إلى ارتفاع معدلات التسرب. فقد بلغ عدد المغادرين بسبب الخمول 127 ألف شخص عام 2025، مقارنةً بـ105 آلاف عام 2024 و90 ألفاً عام 2023. وفي المقابل، بلغ عدد الناجحين الذين اجتازوا اختبار اللغة الألمانية واختبار المعرفة المدنية 158 ألف شخص، بانخفاض طفيف عن 168 ألف في العام الماضي.
صوت معارض من حزب البديل
في المقابل، طالب المتحدث الاجتماعي لحزب البديل من أجل ألمانيا رينيه شبرينغر بإعادة النظر في المفهوم الكامل لدورات الاندماج، معتبراً أن تعلم اللغة مسؤولية شخصية وأن تكاليفها يجب أن يتحملها المهاجرون أنفسهم. وبناءً على ذلك، يعكس هذا الموقف الانقسام السياسي الحاد في ألمانيا بين من يرى في الاندماج استثماراً اجتماعياً ضرورياً ومن يعدّه عبئاً مالياً على دافعي الضرائب.
مستقبل الاندماج على المحك
يبقى مستقبل دورات الاندماج رهيناً بمدى استجابة الحكومة الاتحادية لمطالب مجلس الولايات والمدن والبلديات. وفي ظل أزمة اقتصادية تضغط على الميزانيات العامة، تُشير الأرقام المتراكمة إلى أن القيود الحالية ستُفاقم التراجع في الأعوام القادمة، مما قد يُرتب تكاليف اجتماعية واقتصادية أعلى بكثير مما توفره على المدى القصير.