في أحد المباني الإدارية الهادئة في مدينة فرانكفورت، يجلس الدكتور فولكر نوله ليستمع إلى تفاصيل خلافات يومية تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها في الواقع تحمل الكثير من التوتر بين الجيران. قد يبدأ الأمر بصوت موسيقى مرتفع في ساعة متأخرة من الليل، أو شجرة تمتد أغصانها وأوراقها إلى أرض الجار، أو حتى خلاف مالي صغير يتحول مع الوقت إلى قطيعة طويلة بين أشخاص يعيشون في نفس المبنى أو الشارع.
نوله نفسه لم يأتِ من خلفية قانونية، بل يعمل أساساً مستشاراً في مجال تكنولوجيا المعلومات. لكن نهاية عام 2024 حملت له مساراً مختلفاً؛ إذ رشّحه المجلس المحلي في منطقتي بوكنهايم وفيستايند، قبل أن ينتخبه مجلس المدينة ويُعيَّن رسمياً من المحكمة المحلية ليصبح “Schiedsperson“، أي وسيط صلح معتمداً تتمثل مهمته الأساسية في حلّ النزاعات خارج قاعات المحاكم.
مؤسسة تمتد لأكثر من 200 عام
تُعد مكاتب الصلح “Schiedsämter” في ولاية هيسن جزءاً قديماً من النظام الاجتماعي والقانوني. إذ يعود وجودها إلى أكثر من مئتي عام، كوسيلة لتخفيف الضغط عن المحاكم وإيجاد حلول سريعة وودية للخلافات البسيطة. في مدينة فرانكفورت وحدها يوجد 19 مكتباً موزعة على الأحياء المختلفة، ما يعكس أهمية هذا النظام داخل مدينة كبيرة ومزدحمة.
ورغم أن العمل في هذا المجال يتم بشكل تطوعي، إلا أن البلديات توفر القاعات اللازمة للجلسات وتمنح تعويضاً رمزياً للقائمين عليه. في حين تبقى المحاكم المحلية هي الجهة التي تشرف إدارياً على هذا النظام وتضمن عمله ضمن الإطار القانوني.

حين تتحول تفاصيل الحياة اليومية إلى نزاعات
معظم القضايا التي تصل إلى مكتب الدكتور نوله ترتبط بالحياة اليومية البسيطة بين الجيران بحسب ما يقول. فهناك شكاوى متكررة حول الضجيج داخل الشقق المتقاربة، أو خلافات مالية صغيرة تتعلق بمبالغ محدودة، أو حتى نزاعات قديمة حول الأشجار وحدود الملكيات.
وفي مدينة مثل فرانكفورت، حيث يعيش الناس في مساحات قريبة جداً من بعضهم البعض، تصبح هذه التفاصيل الصغيرة سبباً كافياً لتوتر طويل الأمد إذا لم تُحل في وقت مبكر.
ومن زاوية ثقافية، يمكن للقارئ القادم من المجتمعات العربية أن يجد تشابهاً في دور “المختار” التقليدي، الذي كان في كثير من الأحيان يتدخل بين الناس لمحاولة تهدئة الخلافات وإعادة الأمور إلى مسارها الطبيعي قبل أن تتطور إلى مشاكل أكبر. لكن الفارق الأساسي هنا أن عمل مكتب الصلح يتم ضمن إطار قانوني رسمي واضح، ويُعتبر جزءاً من منظومة العدالة الألمانية، وليس مجرد حل اجتماعي غير رسمي.
لا قاضٍ.. بل وسيط للاتفاق
مكتب الصلح لا يقوم بإصدار أحكام قضائية، ولا يتصرف كقاضٍ، ولا يقدم استشارات قانونية للطرفين. دوره الأساسي يتمثل في خلق مساحة آمنة للحوار، يجتمع فيها المتخاصمون في جلسة واحدة لمحاولة فهم وجهات نظر بعضهم البعض والوصول إلى حل مشترك يرضي الطرفين. في كثير من الحالات، يقود الوسيط النقاش بهدوء، محاولاً تهدئة التوتر وإعادة بناء الحد الأدنى من الثقة بين الأطراف، حتى يصبح الاتفاق ممكناً.
وتشير التجربة في ألمانيا إلى أن نحو نصف القضايا تنتهي بالفعل إلى تسوية ناجحة، تُوثق رسمياً وتصبح قابلة للتنفيذ قانونياً لمدة قد تصل إلى 30 عاماً. أما في حال فشل التوصل إلى اتفاق، فيُمنح الطرف المتضرر وثيقة رسمية تسمح له بمواصلة القضية أمام المحكمة.
مؤسسة لا يعرفها كثيرون
على الرغم من أهمية هذا النظام ودوره في تخفيف الضغط عن المحاكم، إلا أنه لا يزال غير معروف لدى عدد كبير من سكان المدن الكبرى مثل فرانكفورت. ويقول الدكتور نوله إن كثيرين يلجؤون مباشرة إلى الشرطة أو القضاء دون معرفة أن هناك طريقاً آخر أكثر هدوءاً وأقل تكلفة قد يساعدهم على حل النزاع بسرعة. كما يلاحظ أن من يعرفون هذا النظام غالباً هم السكان المحليون الذين عاشوا طويلاً في المدينة، بينما يكون أقل حضوراً لدى القادمين الجدد الذين يفتقدون هذه المعرفة المؤسسية.
الصلح بدل إصدار الأحكام
يلخص الدكتور نوله فلسفة عمله بجملة واحدة واضحة وهي “الصلح بدل إصدار الأحكام”. بالنسبة له، الهدف ليس البحث عن طرف رابح وآخر خاسر، بل محاولة منع تحول الخلافات الصغيرة إلى صراعات طويلة الأمد. ففي النهاية، كما يقول، لا أحد يخرج فائزاً بالكامل من قاعة المحكمة، بينما يمكن للصلح أن يعيد الحياة اليومية إلى هدوئها، خصوصاً في مدينة كبيرة يعيش فيها الناس جنباً إلى جنب، حيث قد يصبح خلاف بسيط سبباً لتعقيد كبير إذا لم يُحتوَ في الوقت المناسب.