تقرير: ميرنا مسعود/ أمل دمشق
تجلس أم محمد في بيتها بدمشق القديمة، تُعدّ الشاي وتسترق النظر بين الحين والآخر إلى أبنائها الذين تفرقوا في شتات الأرض لسنين طويلة ثم بدأ بعضهم بالعودة تباعاً.
العودة إلى سوريا اليوم ليست مجرد رحلة سفَر أو إبراز جواز سفر عند الحدود، بل هي عبورٌ نفسي معقد بين حنينٍ لم ينطفئ لسنوات، وواقعٍ محلي فرض قواعده القاسية على الجميع.
في الأزقة والحارات، تتجاور مشاعر الفرح العارم برؤية الأهل والأحبة مع تنهدات الخيبة عند الاصطدام بالواقع المعيشي والخدمي.
العودة من دول اللجوء والإقامة، رغم ما تحمله من استعادة للهوية والدفء الاجتماعي وكسرٍ لجليد الغربة، تضع العائدين أمام امتحان يومي يمس تفاصيل حياتهم الصغيرة من تأمين الكهرباء والماء، وصولاً إلى البحث عن مصدر رزق يواكب التضخم وارتفاع الأسعار.
في مقهى وسط المدينة، يتشارك شابان تجارب سلكت مسارين متناقضين تماماً. يجلس رضوان (26 عاماً)، الذي قضى نحو سبع سنوات في ألمانيا، ويتحسر على قرار العودة الذي اتخذه بعاطفة مشتعلة. “عدتُ لأني اشتقت لأمي ولأصدقائي ولدوري الشدة في الحارة”، يقول رضوان بنبرة يسودها الإحباط، مضيفاً “لكن الصدمة كانت أعنف مما توقعت. اعتاد جسدي وعقلي لسنوات على نظام وحياة مستقرة، وأجدني اليوم أستهلك كل طاقتي اليومية في تفاصيل بسيطة كالبحث عن وسيلة نقل أو التأقلم مع انقطاع الكهرباء المستمر. الرواتب هنا لا تكفي عدة أيام، وصار الشغف يحل محله الندم.. أبحث اليوم بكل طاقتي عن وسيلة للخروج مجدداً، فالوطن دافئ، لكنه ينهك أجسادنا”.
على الطاولة المقابلة، تخالفه ريم (30 عاماً) الرأي تماماً، وهي التي عادت مؤخراً من تركيا بعد سنوات من العمل والاغتراب. تبتسم ريم وهي تتحدث عن تجربتها: “صحيح أن الحياة هنا صعبة وتتطلب صبراً كبيراً، لكنني أخيراً أتنفس وأنام براحة. في الغربة كنت أعيش في قلق دائم، أحس بأني ضيفة ثقيلة ومهددة في أي لحظة بعدم الاستقرار. هنا رغم ضعف الخدمات وقسوة الأسعار، أمشي في الشارع وأنا أشعر بالانتماء والأمان النفسي. وأشعر أن لعملي وجهاً إنسانياً ومعنى حقيقياً بين أهلي وناسي. الجدران هنا دافئة، وجودي بين عائلتي عوض الكثير من النقص”.
وبين استقرارٍ ينشده البعض في أرض الآباء، ورغبةٍ ملحة بالرحيل مجدداً ينشدها آخرون صدموا بالفجوة المعيشية، تظل حكاية العودة إلى سوريا لوحة مفتوحة على كل الاحتمالات. هي تجربة فريدة تخوضها كل عائلة على حدة، تحكمها القدرة على التكيف والقدرة المالية، وقبل كل شيء مدى تحمل القلب للشوق في مقابل قدرة العقل على الصمود أمام مصاعب الحياة.