تنفض سوريا اليوم الغبار عن كاهلها، رغم التحديات الخارجية والداخلية، التي تحاول إيقاف الزمن أو العودة بالساعة إلى الوراء! لكن البلاد رغم كل ذلك متجهة نحو الاستقرار وإعادة البناء. كل من زار سوريا بعد التحرير “8 ديسمبر 2024” أول ما سيلفت انتباهه اليوم، هو تلك التغييرات الملموسة في البنية التحتية والخدمات التي بدأت تعيد للشارع السوري نبضه المفتقد.
المدن السورية عانت لسنوات طويلة من تقنين الكهرباء المجحف، وغرقت في ظلام حالك، يشبه حقبة الأسدين غير المأسوف عليهما. اليوم بعد سنة وعدة أشهر على سقوط النظام البائد، تشهد ساعات التغذية الكهربائية تحسناً كبيرًا أعاد النور والحركة إلى الأسواق والمنازل. لم يقتصر الأمر على أحياء دمشق وحاراتها، بل امتدت الجهود لتشمل زيادة إنارة الطرقات خارج المدينة، وهذه الخطوة لم تمنح الشوارع مظهراً جمالياً وأماناً ليلياً فحسب، بل أحيت الشعور ببدء التعافي الحقيقي.
وراء هذه التبدلات تقف جهود حثيثة تبذلها الإدارات المحلية في مختلف المدن السورية، وخاصة دمشق. فرغم قلة الإمكانيات والتعثر الاقتصادي، يلاحظ المرء ورشات العمل المستمرة لتحسين الخدمات الأساسية، من ترميم وتنظيم شبكات وإزالة أنقاض، وصولاً إلى تسهيل المعاملات الرسمية داخل المؤسسات الحكومية. ثمة رغبة واضحة وملموسة لدى هذه الإدارات لإعادة تدوير عجلة الحياة وتقديم أفضل ما يمكن للمواطنين، وهو ما يخلق مناخاً من التفاؤل وإن كان حذرًا.
في رحلة العودة من برلين إلى دمشق، صادفت شاباً يدعى “أبو عدي”، وهو لاجئ سوري اختار العودة الطوعية إلى سوريا، بعد أن قضى خمس سنوات في ألمانيا. يقول أبو عدي إن قراره بالعودة لم يكن قائماً على الحنين لمدينته حمص فقط، بل كانت قراراً مدروساً يحمل رؤية للمستقبل. أخبرني أبو عدي، ونبرة الحماس تملأ صوته: “راجع أنا وغيري نعمر حمص وكل سوريا”.
لم يأتِ أبو عدي بيدين فارغتين، بل جاء محملاً بخبرات واسعة اكتسبها خلال فترة عمله وإقامته في ألمانيا. ويسعى اليوم لتطبيق تلك الخبرات في مجال البناء والإنشاءات من خلال شركة التعهدات الصغيرة التي أسسها قبل عدة أشهر ويديرها مع أخوته. يرى أبو عدي أن حمص بحاجة ماسة لثقافة عمرانية جديدة تجمع بين الأصالة الشرقية والاتقان الغربي، وأن واجبه اليوم يكمن في نقل هذه المعرفة لجيل الشباب من العمال والمهندسين الذين لم يغادروا البلاد يوما.
قصة أبو عدي ليست مجرد حالة فردية، بل هي تجسيد لتحول أعمق يشهده مجتمع الشتات السوري؛ حيث باتت الهجرة المعاكسة، وإن كانت في بداياتها، خياراً يلوح في الأفق لمن يمتلكون الشغف والقدرة على التغيير.
يمكن القول إن سوريا اليوم بلد يرفض الاستسلام للماضي، فبين إنارة الطرقات التي تبدد عتمة السنين الماضية، وجهود الإدارات المحلية لتطوير الواقع الخدمي، وعزيمة الطاقات العائدة كـ “أبو عدي” لإعادة بناء ما تهدم بمعايير عالمية، تتشكل ملامح فجر جديد لبلد يستحق الاستقرار، ويثبت يوماً بعد يوم أن إرادة الحياة أقوى من كل دمار.
المقال لـ عبد الرحمن عمرين