في أحد بيوت الشرق الجزائري، وتحديداً في ولاية برج بوعريريج، كان فتى في الخامسة عشرة من عمره يجلس إلى جانب والده أمام شاشة التلفاز يتابع مباريات كرة القدم المنقولة عبر قناة ZDF الألمانية. لم يكن يفهم شيئاً تقريباً مما يقوله المعلق، لكن وقع اللغة الألمانية في أذنه كان مختلفاً. كانت الكلمات تتدفق بنبرة سريعة غير مألوفة، فينفجر هو ووالده ضاحكين كلما حاول أحدهما تقليد المعلق.
وسط تلك الضحكات، وُلد حلم صغير. فكان عبد السلام بريكي يقول لوالده دائماً: “سيأتي يوم أفهم فيه هذه اللغة، سأتعلم الألمانية مهما طال الوقت”. لم يكن يدرك حينها أن تلك الجملة العابرة ستتحول بعد سنوات إلى رحلة طويلة من الاجتهاد والسفر والغربة والانتصارات الصغيرة.
كيف بدأت الرحلة الحقيقية مع اللغة الألمانية؟
في الجزائر، تبدأ المراحل الدراسية بالابتدائي ثم المتوسط ثم الثانوية. وكان الفتى حينها في السنة الرابعة متوسط، وهي السنة التي تسبق اجتياز امتحان الانتقال إلى الثانوية. بعد نجاحه انتقل إلى المرحلة الثانوية حيث تبدأ التخصصات بالتشكل تدريجياً، ففي السنة الأولى، اختار شعبة “آداب وفلسفة” لكن التحول الحقيقي جاء في السنة الثانية، عندما أُتيحت له فرصة الالتحاق بشعبة اللغات الأجنبية.
كان يعلم أن الثانوية القريبة منهم تُدرّس الألمانية كلغة أجنبية ثانية، وهنا شعر أن الباب الذي كان يبحث عنه قد فُتح أخيراً. لكن الوصول إلى ذلك القسم لم يكن سهلاً، إذ كان مطلوباً من الطلاب الحصول على علامات مرتفعة جداً في اللغة العربية والفرنسية والإنجليزية. وبفضل تفوقه الدراسي، استطاع أن يكون من بين المقبولين في شعبة اللغات الأجنبية، وهناك بدأت الرحلة الحقيقية مع اللغة الألمانية.
سباق مبكر مع الحروف الألمانية
لم ينتظر بداية العام الدراسي. ففي عطلة الصيف، كرّس وقته لتعلّم أساسيات اللغة الألمانية، بدأ بتعلم الحروف، وأيام الأسبوع، والأشهر، والأرقام، وطريقة نطق الحروف ذات الـ Umlaut التي تبدو غريبة على المتعلمين الجدد. وعندما دخل القسم لأول مرة، كان قد سبق زملاءه بخطوات. فبينما كان الأستاذ يشرح الأبجدية الألمانية، كان هو قد تجاوزها ذهنياً إلى مراحل أخرى.
أستاذ غيّر المسار
في الثانوية، التقى بأستاذ اللغة الألمانية الذي يذكره اليوم بكل امتنان، الأستاذ “لخضر تالي”. كان أكثر من مجرد معلم. رأى في عبد السلام شغفاً حقيقياً، فحدثه عن المنح الدراسية الألمانية، وعن إمكانية السفر مستقبلاً إلى ألمانيا إذا واصل تفوقه الجامعي، ومنذ تلك اللحظة، أصبح الهدف واضحاً، أن يكون من الأوائل دائماً.
من برج بوعريريج إلى سيدي بلعباس، رحلة تتجاوز 700 كيلومتر
كانت تلك أول غربة حقيقية في حياته، يقضي شهرين أو أكثر في الغرب الجزائري للدراسة، ثم يعود إلى عائلته في الشرق، قبل أن يبدأ الرحلة من جديد. وبين مشقة السفر والبعد عن الأهل، كان يتمسك بهدف واحد وهو الاستمرارية والتميز. وخلال سنوات الليسانس “البكالوريوس”، بقي دائماً بين الطلبة المتفوقين في دفعته، وحافظ باستمرار على مكانته بين الأوائل في الجامعة، أحياناً الأول، وأحياناً الثاني أو الثالث.
أما اللحظة الفاصلة كانت في السنة الثانية في الجامعة، جاء الاختبار الذي سيغير كل شيء، امتحان تحديد المستوى الألماني “Einstufungstest”. إذ كان مطلوباً من الطلاب الحصول على مستوى B1 أو B2 من أجل الترشح للمنح الدراسية الألمانية.
حصل عبد السلام على شهادة الـOnSET Zertifikat، تحت إشراف ممتحن ألماني، وبدأ بعدها رحلة التقديم الرسمية للمنحة الألمانية. لم تكن إجراءات المنحة سهلة، لكن النهاية جاءت كما حلم بها، وصله القبول. وهو الوحيد في دفعته، الذي حصل على المنحة.
الوصول إلى ألمانيا
في صيف عام 2019، وصل إلى ألمانيا لأول مرة، كانت وجهته جامعة “Leuphana” في مدينة لونيبورغ شمال البلاد، بالقرب من هامبورغ وهانوفر وبريمن. هناك، خضع لاختبار تحديد مستوى جديد، وحصل مجدداً على مستوى B2 في اللغة الألمانية، فوُضع مباشرة مع طلاب مستويات B2 وC1.
بالنسبة لذلك الشاب القادم من شرق الجزائر، لم تكن المسألة مجرد دراسة لغة. بل كان يعيش حلماً بدأ من أمام شاشة تلفاز ومعلّق رياضي ألماني لم يكن يفهم منه كلمة واحدة، قبل أن يجد نفسه لاحقاً في قاعات الجامعات الألمانية.
البداية كمدرس لغة ألمانية
بعد شهر دراسي مكثف في ألمانيا، عاد إلى الجزائر ليكمل مرحلة الليسانس “البكالوريوس”. لكن القدر وبعد سنوات، كان يخبئ له طريقاً آخر. في تلك الفترة، تواصل معه صديق قديم يقيم في مدينة فرانكفورت الألمانية، كان الصديق يعمل على تعليم مجموعة من الأطباء الجزائريين الراغبين في الهجرة إلى ألمانيا والعمل هناك، لكنه لم يعد يملك الوقت الكافي لمتابعة التدريس.
قال له بصراحة: “أنتَ الشخص الوحيد الذي أثق أنه سيعطيهم لغة حقيقية ومعلومات مفيدة”. بالنسبة لعبد السلام، لم يكن الأمر مجرد عمل، بل كان اعترافاً أيضاً بقيمته العلمية بعد سنوات من الاجتهاد، فلم يتردد ووافق فوراً.
كيف قادت اللغة شاباً جزائرياً إلى حياة جديدة في ألمانيا
وبعد عودته إلى ألمانيا عام 2023، بدأ الشاب الجزائري مرحلة جديدة من حياته المهنية، حيث عمل في البداية متطوعاً في مجال رعاية ذوي الإعاقات الذهنية وكبار السن، في تجربة وصفها بأنها كانت قاسية لكنها شكلت شخصيته ومنحته فهماً أعمق للحياة في الغربة. وبالتوازي مع ذلك، واصل شغفه باللغة الألمانية عبر تدريسها عن بعد لعدد من الأطباء الجزائريين الراغبين في العمل بألمانيا، قبل أن ينتقل لاحقاً إلى العمل في رياض الأطفال الألمانية “Kita” ضمن المجال التربوي الذي لطالما شعر بأنه الأقرب إلى شخصيته وطموحه. واليوم، ما يزال عبد السلام يقيم في ألمانيا، ويواصل بناء مستقبله المهني، مستنداً إلى سنوات طويلة من الاجتهاد والصبر والإيمان بحلمه القديم الذي بدأ يوماً من خلف شاشة تلفاز في شرق الجزائر.
المعلومة قوة
يقول عبد السلام إن الإنسان في ألمانيا إذا افتقد للمعلومة الصحيحة يصبح تائهاً، مهما كانت لغته جيدة أو شهاداته قوية. أما إذا امتلك المعلومة، فإنه يتحرك من موقع قوة، وكأنه يعرف مفاتيح البلد كلها. ولهذا يكرر دائماً نصيحة يعتبرها أساسية لكل شخص يعيش الغربة: “اسأل… لا تخف من السؤال، وإذا لم يجبك شخص، اسأل شخصاً آخر”.
ويؤمن أن كثيراً من الناس مستعدون للمساعدة، وأن الصورة النمطية عن المجتمع ليست صحيحة بالكامل. فهناك من يفرح لنجاحك، ويدلك على الطريق، ويمنحك معلومة واحدة، قد تغير حياتك كلها.
الحلم الذي لم يمت
لا يبدو أن علاقته باللغة الألمانية كانت مجرد مرحلة وانتهت. هي قصة شغف بدأ من الفضول، ثم تحول إلى اجتهاد، ثم إلى رحلة حقيقية عبر المدن واللغات والحدود. قصة شاب جزائري آمن أن الأحلام الصغيرة التي تولد صدفة — حتى من تعليق مباراة كرة قدم — قد تقود الإنسان يوماً إلى أماكن لم يكن يتخيلها أبداً.