يشهد المشهد السياسي في ألمانيا تحولاً ملحوظاً في السلوك الانتخابي للطبقة العاملة. فبعد عقود كانت فيها النقابات والأحزاب التقليدية هي المعبر الرئيسي عن تطلعات العمال، يسجل حزب “البديل من أجل ألمانيا” (AfD) صعوداً لافتاً ومعدلات تأييد مرتفعة بين العمال وذوي الدخل المتوسط والمنخفض.
ولكن، هل تعكس التوجهات والبرامج الاقتصادية للحزب بحق المصالح المباشرة لهذه الفئة؟
توقعات العمال وآمال الاستقرار الاقتصادي
يلجأ العديد من العمال إلى تأييد حزب البديل بناءً على دوافع براغماتية وتوقعات اقتصادية ملموسة، أبرزها:
مواجهة التضخم: الرغبة في خفض أعباء المعيشة وارتفاع أسعار الطاقة، حماية الوظائف: التوجس من كلفة التحول الاجتماعي والأيكولوجي (السياسات الخضراء) على الصناعات التقليدية و الإحباط من الأحزاب الحالية: الشعور بأن سياسات الحكومة لم تعد تولي الأولوية لتحسين الدخل الصافي للطبقة العاملة.
“تناقض البديل”: ماذا يقدم البرنامج الاقتصادي فعلياً؟
على الرغم من هذا التأييد العمالي العريض، يسلط خبراء الاقتصاد والمعاهد البحثية الضوء على ما يُعرف بـ “تناقض البديل” (AfD-Paradox). إذ يُظهر تحليل البرنامج الاقتصادي للحزب توجهات ليبرالية متطرفة تعتمد على آليات السوق الحر، والتي قد تعود بنتائج عكسية على ذوي الدخل المحدود:
السياسة الضريبية: تركز التخفيضات الضريبية المقترحة على خفض الشرائح العليا للضرائب وإلغاء ضريبة الثروة والمواريث، وهو ما يستفيد منه أصحاب الدخول المرتفعة بالدرجة الأولى. الحد الأدنى للأجور والنقابات: يعارض الحزب رفع الحد الأدنى للأجور، ويتبنى مواقف تقيد دور النقابات والاتفاقيات الجماعية التي تحمي حقوق العمال. الدعم الاجتماعي: يدعو الحزب إلى تشديد الشروط على إعانات البطالة والدعم الاجتماعي (Bürgergeld) وتقليص دور الدولة التدخلي.
تحذيرات قطاع الأعمال من المخاطر الاقتصادية
من جانب آخر، يحذر خبراء الاقتصاد ورؤساء اتحاد الصناعات الألمانية من أن التوجهات السياسية للحزب قد تضر بالبيئة الاستثمارية وتنافسية ألمانيا كمركز صناعي:
العمالة الماهرة: تشديد سياسات الهجرة يهدد بسد النقص الحاد في سوق العمل الألماني. العلاقات الأوروبية: التلويح بالانسحاب من المنطقة الجمركية للاتحاد الأوروبي أو تقليص دور “اليورو” يضر بصادرات الشركات التي تشغل ملايين العمال.
يعكس صعود حزب “البديل من أجل ألمانيا” بين الفئات العمالية حالة عميقة من عدم اليقين والمخاوف بشأن المستقبل الاقتصادي. وفي حين يستفيد الحزب من حالة الغضب الشعبي، يظل التحدي الأكبر مكشوفاً في الفجوة بين الوعود الانتخابية الجذابة وبين برنامج اقتصادي ينحاز في جوهره لآليات السوق الحر وتقليص الحماية الاجتماعية.