لم يكد غبار انتخابات برلمان ولاية ساكسونيا أنهالت ينقشع، حتى بدأت الأحزاب الألمانية في قراءة تداعيات النتائج، وسط صدمة داخل الاتحاد الديمقراطي المسيحي، ومحاولات من الحزب الاشتراكي الديمقراطي لمراجعة مسار الإصلاحات الحكومية، بينما ترى أحزاب أخرى أن صعود حزب «البديل من أجل ألمانيا» يمثل تحدياً جديداً للمشهد السياسي.
وفي برلين، حيث تستعد المدينة لانتخابات برلمانها المحلي في 20 سبتمبر/أيلول، يثير الفوز الكبير لـ«البديل» في ساكسونيا أنهالت مخاوف من انتقال الزخم الانتخابي إلى العاصمة.
«البديل» يلوح بسقوط جدار العزل السياسي
وفقاً للتلفزيون الألمانيZDF، ظهرت قيادة حزب «البديل من أجل ألمانيا» في برلين في اليوم التالي للانتخابات وهي تحتفي بالنتيجة. وهنأت رئيسة الحزب أليس فايدل مرشح الحزب الأول في ساكسونيا أنهالت، أولريش زيغموند، بالفوز، في إشارة إلى حالة الطقس المشمس التي شهدتها أجزاء من ألمانيا خلال الأيام الماضية. لكن الرسائل السياسية الأبرز التي وجهتها قيادة الحزب كانت نحو الاتحاد الديمقراطي المسيحي. وقالت فايدل إن الحزب فقد ثقة الناخبين وقبولهم، مستشهدة بملفات مثل الهجرة والسياسة الصناعية.
أما الرئيس المشارك للحزب تينو شروبالا، فقال إن ما يعرف بـ«جدار العزل» أمام التعاون مع حزب «البديل» قد سقط انتخابياً، محذراً الاتحاد الديمقراطي المسيحي من أنه سيواصل التآكل إذا استمر على النهج نفسه. ورغم ذلك، لم يكشف زيغموند خلال المؤتمر الصحفي في برلين عن كيفية تحرك الحزب تجاه الأحزاب الأخرى أو النواب المستقلين في ساكسونيا أنهالت، في حال البحث عن خيارات لتشكيل الحكومة. وقال إن «يده ممدودة»، لكنه لن يتخلى عن مبادئه.
ميرتس: الهزيمة قاسية وسنتمسك بمسار الإصلاح
في مقر الاتحاد الديمقراطي المسيحي، كانت الأجواء مختلفة تماماً كما نقل التلفزيون الألمانيZDF، إذ وصف المستشار الألماني فريدريش ميرتس نتيجة الانتخابات بأنها «صدمة عميقة»، وأقر ميرتس بأن شخصه لعب دوراً في الحملة الانتخابية، في وقت تشير فيه استطلاعات الرأي إلى تراجع شعبيته إلى مستويات تاريخية. ويرى ميرتس أن أحد أبرز مكامن الخلل يتعلق بطريقة التواصل مع المواطنين، مؤكداً أن الحكومة مطالبة بتفسير مسار الإصلاحات وضرورتها بصورة أفضل.
وفي محاولة لمواجهة «البديل»، يقدم الحزب نفسه باعتباره القوة الوحيدة القادرة على إيقاف اليمين، إذ قال الأمين العام بالإنابة لوكاس كريغر إن قوة الاتحاد الديمقراطي المسيحي هي «الحصن ضد البديل»، فالحزب يطرح في الوقت نفسه مواجهة ما وصفه بـ«اليسار المتطرف»، وهي استراتيجية قد تواجه اختباراً صعباً في ظل الاستقطاب الذي أحدثته نتائج ساكسونيا أنهالت. كما فتح ميرتس الباب أمام مناقشة تداعيات النتيجة مع الحزب الاشتراكي الديمقراطي، ولا سيما بشأن إصلاح نظام التقاعد، بما في ذلك المقترح المتعلق بإلغاء التقاعد المبكر لبعض أصحاب مدد الاشتراك الطويلة، مؤكداً في الوقت ذاته أن نتيجة الانتخابات لن تدفع الحكومة إلى التخلي عن قناعتها الأساسية بضرورة تنفيذ الإصلاحات.
الاشتراكيون الديمقراطيون: الإصلاحات لا يجب أن تكون على حساب الناس
ووفقاً للتلفزيون الألمانيZDF وإذاعة BR24 الألمانية، ربط الحزب الاشتراكي الديمقراطي نتائج الانتخابات بحالة القلق التي يشعر بها الناخبون تجاه ملفات التقاعد والصحة والرعاية الاجتماعية. وقالت رئيسة الحزب باربل باس إن كثيرين لا تزال لديهم أسئلة مفتوحة بشأن مستقبل المعاشات والرعاية الصحية والتمريض، مشيرة إلى ضرورة الإصلاح، لكنها انتقدت في الوقت نفسه طريقة طرح بعض سياسات الحكومة. واعتبرت باس أن الحديث مثلاً عن ضرورة العمل لساعات أطول وتقليل الإجازات المرضية يخلق حالة من عدم الثقة لدى المواطنين، ولا يساعد في استعادة ثقتهم بالسياسة. كما أكدت باس على أن الإصلاحات الاجتماعية لا ينبغي أن تتم «ضد الناس»، داعية إلى إعادة النظر في بعض الإجراءات، مع التأكيد على ضرورة توفير وظائف آمنة، وأجور جيدة، وأسعار أقل.
في المقابل، يحاول الحزب استثمار الزيادة الطفيفة التي حققها في ساكسونيا أنهالت باعتبارها مؤشرات على إمكانية وقف مسلسل التراجع الانتخابي. لكن وفقاً لإذاعة rbb24 الألمانية، لا تخفي هذه الزيادة مخاوف الحزب من استمرار تأثير الاتجاه السياسي الاتحادي السلبي عليه في برلين، حيث ظل في المرتبة الخامسة في معظم استطلاعات الرأي. ومع اقتراب موعد الانتخابات في برلين، يؤكد مرشحه الأول شتيفن كراخ أنه سيواصل القتال «حتى آخر لحظة» من أجل كل صوت.
خبراء الاقتصاد يحذرون من إبطاء الإصلاحات
وفي خضم الجدل السياسي، حذرت الخبيرة الاقتصادية فيرونيكا غريم الاتحاد المسيحي الديمقراطي والحزب الاشتراكي الديمقراطي من التراجع عن الإصلاحات خشية خسارة المزيد من الأصوات. وبحسب إذاعة BR24 الألمانية، قالت غريم إن استعادة الناخبين الذين يمكن أن يصوتوا لـ«البديل» لا تتم من خلال تحسين الخطاب السياسي أو التحذير من الحزب، وإنما عبر تقديم حلول موثوقة للمشكلات التي تواجه المواطنين. وترى غريم أن الخطر الذي يهدد التيار السياسي الوسطي لا يكمن في كثرة الإصلاحات، بل في تأجيلها باستمرار خوفاً من خسارة الأصوات.
اليسار: لن نتخلى عن شرق ألمانيا لليمين
أما حزب اليسار، فقد اختار توجيه رسالته إلى المجتمع المدني في ساكسونيا أنهالت. فبحسب التلفزيون الألمانيZDF، قالت رئيسة الحزب إينيس شفرتنر إن نتائج الانتخابات كانت «دراماتيكية»، مؤكدة أن حزبها سيواصل الوقوف إلى جانب المجتمع المدني، وموجهة رسالة إلى أنصاره ومؤيديه: «لستم وحدكم»، مشددة على أن حزب اليسار لن يتخلى عن شرق ألمانيا لصالح اليمين.
وقالت مرشحته الأولى في برلين إليف إيرالب في ليلة الانتخابات، كما أوردت إذاعة rbb24 الألمانية: «أنا الإجابة على ساكسونيا أنهالت». ويأتي ملف الإيجارات والسكن في مقدمة أولويات الناخبين في العاصمة، وهو ما يمنح الحزب ورقة انتخابية مهمة، خصوصاً مع تصدره استطلاعات الرأي منذ أشهر في برلين.
كما يستند الحزب إلى تجربة انتخابات البرلمان الاتحادي عام 2025، حين استفاد من موجة الاحتجاج على التصويت المشترك بين الاتحاد الديمقراطي المسيحي و«البديل»، وحصد أصواتاً غاضبة مكّنته من تصدر النتائج في برلين.
الخضر يقدمون أنفسهم بديلا عن «البديل»
أما حزب الخضر، فيحاول الدخول في السباق بوصفه أحد أبرز البدائل عن «البديل من أجل ألمانيا». ووفقاً لإذاعة rbb24 الألمانية، يقدم مرشحه الأول في برلين فيرنر غراف حزبه باعتباره «النموذج المضاد للبديل» و«مساحة آمنة للديمقراطية». ويمنح تحسن نتيجة الحزب في ساكسونيا أنهالت دفعة معنوية قبل المرحلة الأخيرة من الحملة في برلين، لكنه يواجه في الوقت نفسه خطر فقدان أصوات في ظل الاستقطاب المتزايد بين «البديل» والاتحاد الديمقراطي المسيحي واليسار.
تحالف سارة فاغنكنيشت أمام فرصة للعودة إلى المشهد
ويمنح أداء تحالف سارة فاغنكنيشت في ساكسونيا أنهالت دفعة لحملته الانتخابية في برلين، فبحسب إذاعة rbb24 الألمانية، تمكن الحزب في ساكسونيا أنهالت من تجاوز العتبة والحصول على 5.3% من الأصوات، وهو ما يعزز آماله في تكرار النتيجة في العاصمة.
لكن موقف الحزب من إمكانية تشكيل حكومة بمشاركة «البديل» قد يتحول إلى نقطة ضعف انتخابية. ففي اليوم التالي للانتخابات، أكد الحزب استعداده للمساعدة في إيصال رئيس وزراء من «البديل» إلى منصبه داخل برلمان الولاية، رغم إقرار الحزب بأن برنامجه يتضمن «عدداً من المواقف» التي لا يتفق معها.
وهكذا، لا تبدو انتخابات برلين مجرد سباق بين أحزاب على تشكيل حكومة محلية، بل اختباراً جديداً لموقع حزب «البديل» في السياسة الألمانية، ولمدى قدرة الأحزاب الأخرى على احتواء زخمه الانتخابي.