في حي نويكولن، حيث تتقاطع الهجرة والدين والسياسة وأزمة السكن في الحياة اليومية، اجتمع ممثلون عن عدد من الأحزاب السياسية الألمانية، بينها الحزب الاشتراكي الديمقراطي، وحزب الخضر، وحزب اليسار مع أبناء الجالية لمناقشة قضايا العنصرية والتمييز، وأوضاع المسلمين والفلسطينيين، ودور المؤسسات الحكومية، والتعليم، والاندماج، وصولاً إلى أزمة السكن والتوظيف، في حين لم يحضر ممثلون عن الاتحاد الديمقراطي المسيحي.
كان اللقاء في مسجد دار السلام في نويكولن، ضمن فعالية نظمتها Neuköllner Begegnungsstätte e. V. تحت عنوان: «السياسة عن قرب.. أسئلة من الجاليات، وإجابات السياسة»، في محاولة لفتح حوار مباشر بين السكان وممثلي الأحزاب السياسية قبل الانتخابات المقررة في الـ20 من هذا الشهر. ورغم اختلاف المواقف والأولويات، بدا أن قضية واحدة تتكرر في معظم المداخلات: كيف يمكن تحويل الحديث عن مكافحة العنصرية والاندماج إلى سياسات ملموسة داخل المدارس والإدارات الحكومية وسوق العمل؟
«يجب أن ينتهي هذا».. اليسار ينتقد التعامل مع المسلمين والفلسطينيين
كان ملف العنصرية ضد المسلمين، وما وصفه ممثلو حزب اليسار (Die Linke) بتصاعد الضغوط على المسلمين والفلسطينيين خلال السنوات الأخيرة، في صدارة النقاش. وقال أحد ممثلي الحزب إن ما عاشه المسلمون والفلسطينيون في المدارس والشوارع والتجمعات العامة، على حد وصفه، اتسم أحياناً بـ«العدوانية والعنف»، معتبراً أن الجلوس إلى طاولة الحوار، كما حدث في مسجد دار السلام، يمثل خطوة ضرورية للخروج من حالة الاستقطاب. وأضاف: «العنف، يجب أن ينتهي. يجب أن ينتهي هذا أخيراً».
وانتقد المتحدث ما وصفه بتدخل الشرطة في بعض القضايا المرتبطة بالممارسات الدينية داخل المدارس، داعياً إلى عدم تحويل قضايا مثل الحديث عن فلسطين أو الإسلام، أو ممارسة الصيام خلال رمضان، إلى أسباب تلقائية لاستدعاء الشرطة. وأضاف أن هذه الممارسات، من وجهة نظره، أسهمت في تعميق الانقسام داخل مجتمع نويكولن.
اليسار يحذر من صعود «AfD»
وانتقل النقاش إلى صعود حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD)، إذ حذّر ممثل اليسار من أن خطاب الحزب تجاه الإسلام والمسلمين يمثل خطراً على التماسك الاجتماعي. وقال إن البرنامج السياسي لحزب البديل يتضمن، بحسب قراءته، خطاباً يرى أن الإسلام «لا ينتمي إلى ألمانيا»، مضيفاً أنه لا يريد أن يرى هذا الخطاب يتسلل إلى مواقف الأحزاب الأخرى.
وقال: «فاشية حزب البديل تقوم على الكراهية تجاه المسلمين والعرب. وإذا لم نفعل شيئاً ضد ذلك، ونواجه المشكلة من جذورها، ونفتح مساحة للحوار، فسنعيش هذه الأزمة لفترة طويلة جداً». تأتي هذه التصريحات في سياق أوسع من الجدل السياسي الألماني حول حدود خطاب اليمين المتطرف، والعلاقة بين الإسلام والهجرة والهوية الألمانية.
«طاولة مستديرة» لمناهضة العنصرية
وفي حديثه عن العمل السياسي على المستوى المحلي، أشار ممثل اليسار إلى دعم حزبه لمقترح إعادة تنظيم مجلس الهجرة (Migrationsbeirat) في نويكولن، وكذلك للمبادرة المتعلقة بإنشاء طاولة مستديرة حول العنصرية ضد المسلمين. وأوضح أن الهدف من المجلس هو توفير مساحة للحوار بين الجمعيات المهاجرة والجهات الرسمية في منطقة نويكولن، مؤكداً ضرورة توسيع المشاركة فيه لتشمل عدداً أكبر من منظمات المجتمع المدني والجمعيات المحلية. وقال إن المجلس، بصيغته الحالية، لا يحقق هذا الهدف بالشكل المطلوب، داعياً إلى إعادة تشكيله بطريقة أكثر انفتاحاً وتمثيلاً. وأثار أحد أعضاء كتلة حزب اليسار في مجلس بلدية نويكولن مسألة التمثيل السياسي، مستشهداً بتجربة شخصية. وقال إن حزبه رشح شخصين للمشاركة في الطاولة المعنية بالعنصرية ضد المسلمين، لكنه أشار إلى أن أحد المرشحين، رغم خلفيته الأكاديمية في الدراسات الإسلامية وخبرته في عدد من الدول العربية، لم يحصل على الدعم اللازم من ممثلي حزبي (SPD) والاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDU).
كما شددت الأحزاب الأخرى، كحزب الخُضر والحزب الاشتراكي الديمقراطي على أن تشكيل المجلس يجب أن يكون مرتبطاً بالدورات الانتخابية وأن يحظى بشرعية ديمقراطية واضحة. فمن جانبها، ركزت ممثلة الحزب الاشتراكي الديمقراطي (SPD) على الجانب الإداري، معتبرة أن مكافحة التمييز يجب ألا تبقى في إطار الشعارات، بل ينبغي أن تنعكس على طريقة تعامل المؤسسات الحكومية مع السكان.
وقالت إن حزبها يرى أهمية استمرار «الطاولة المستديرة» وقدرتها على العمل، مشيرة إلى أن الحزب يريد خلال السنوات المقبلة الدفع نحو جعل التواصل مع السلطات أكثر سهولة بالنسبة إلى الأشخاص من مختلف الخلفيات. ويشمل ذلك، بحسب طرحها، خدمات استشارية متعددة اللغات وأكثر سهولة في الوصول إليها، إلى جانب جعل الإدارة أكثر تنوعاً من حيث الموظفين. وأشارت إلى أهمية أن يتمكن الأشخاص الذين لا يتحدثون الألمانية بطلاقة من فهم الإجراءات الحكومية وطرح أسئلتهم والحصول على الخدمات دون أن تتحول اللغة إلى حاجز إضافي أمامهم.
كما ركزت ممثلة حزب الخضر (Die Grünen) على دور مفوضية الاندماج ومجلس الهجرة، مشيرة إلى أهمية أن تكون المؤسسات المحلية أكثر انفتاحاً على الجمعيات والمنظمات التي تمثل المجتمعات المهاجرة. وبحسب تعبيرها، فإن إشراك المساجد والجمعيات في هذا الحوار يشكل جزءاً من عملية الاندماج وقالت إن وظيفة مفوض أو مفوضة الاندماج لا ينبغي أن تقتصر على العمل من داخل المكتب، بل يجب أن تشمل أيضاً الوصول إلى المنظمات والمراكز الثقافية والدينية الموجودة في الأحياء. وأكدت أن المساجد، ومنها مسجد دار السلام، يجب أن تكون جزءاً من هذا الحوار وأن تحظى بتمثيل في الهيئات المعنية بالهجرة والاندماج. وبالتالي يسهم ذلك في فهم احتياجات السكان الذين ينظمون حياتهم وفق خلفيات ثقافية ودينية متعددة.
التوظيف دون أسماء.. هل يقلل التمييز؟
طرحت ممثلة (SPD) كذلك فكرة تنظيم دورات تدريبية إلزامية لموظفي الإدارات حول التعامل مع التنوع والتمييز. وقالت إن الموظفين يحتاجون إلى معرفة كيفية التعامل مع أشخاص قد تكون لديهم معرفة محدودة باللغة الألمانية أو يواجهون صعوبة في فهم المصطلحات الإدارية، سواء في قضايا السكن أو الخدمات الحكومية أو غيرها. وأكدت أن هذا النوع من التدريب يجب ألا يقتصر على إدارات الأحياء، بل ينبغي أن يمتد إلى مؤسسات ولاية برلين والشركات والمؤسسات التابعة لها. وأضافت أن الهدف هو بناء إدارة أكثر حساسية للاختلافات الثقافية واللغوية، بحيث لا تتحول هذه الاختلافات إلى مصدر للتمييز.
كما اقترح حزب اليسار توسيع استخدام طلبات التوظيف المجهولة (anonymisierte Bewerbungen)، بحيث يجري تقييم المتقدمين على أساس مؤهلاتهم وخبراتهم، دون أن تكون أسماؤهم أو معلوماتهم الشخصية عاملًا مؤثراً في المرحلة الأولى من الاختيار.
الحاجة إلى جهة متخصصة لمواجهة العنصرية في المدارس
ومن أبرز المطالب التي تكررت خلال النقاش إنشاء جهة متخصصة لمواجهة العنصرية في رياض الأطفال والمدارس. وترى الأحزاب المشاركة أن وجود جهة مستقلة يمكن للطلاب والأهالي والمعلمين اللجوء إليها عند حدوث حالات تمييز داخل المؤسسات التعليمية بات أمراً ضرورياً. كما دعوا إلى إصلاح تدريب المعلمين، وتعزيز وعيهم بأشكال التحيز والعنصرية داخل الفصل الدراسي.
واستند ممثل حزب اليسار إلى دراسات تناولت تأثير أسماء الطلاب على تقييمهم، مشيراً إلى أن طالبين يقدمان المستوى نفسه قد يتعرضان لتقييم مختلف إذا حمل أحدهما اسماً ألمانياً والآخر اسماً يُنظر إليه باعتباره عربياً أو مهاجراً. وقال إن معالجة هذه الظاهرة تبدأ من تدريب المعلمين وإعدادهم للتعامل مع التحيزات العنصرية التي يمكن أن يحملها المجتمع إلى داخل المدرسة.
«العنصرية ضد المسلمين لا تتعلق باللغة»
وشدّد الحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب اليسار على ضرورة إدراج مفهوم العنصرية ضد المسلمين (antimuslimischer Rassismus) ضمن برامج التوعية والتدريب في المؤسسات الحكومية والشرطة. وأشار اليسار إن هذه الظاهرة لا تستهدف فقط الأشخاص الذين لا يتحدثون الألمانية بشكل جيد، بل قد تطال أشخاصاً يتحدثون الألمانية بطلاقة، بل وأشخاصاً غير مسلمين أصلاً، لكن المجتمع قد ينظر إليهم على أنهم مسلمون.
وأضاف الاشتراكيون الديمقراطيون أن أولى خطوات المواجهة تتمثل في فهم ماهية العنصرية ضد المسلمين وكيف تظهر في الحياة اليومية، ثم ترجمة هذا الفهم إلى تغيير في سلوك المؤسسات. وأشار ممثلو الأحزاب الثلاثة إلى أن الأمر يصبح أكثر خطورة عندما يصدر السلوك التمييزي عن مؤسسات حكومية أو شرطية، بسبب ما تتمتع به هذه المؤسسات من سلطة وتأثير، لأن أثره يكون أكبر على الأشخاص المتضررين.
التعليم متعدد اللغات.. «لغتي لها قيمة»
ومن بين المقترحات التي طُرحت كذلك تعزيز التعليم باللغات الأولى أو لغات الأسرة، وإنشاء مدارس متعددة اللغات تتيح تعلم لغات مثل العربية والتركية إلى جانب الألمانية. ويرى أصحاب هذا الطرح أن الحفاظ على لغة الطفل أو الشاب وتعزيزها يمكن أن يمنحه شعوراً بأن هويته اللغوية ليست عائقاً، بل مصدر قوة يمكن الاستفادة منه. كما اعتبروا أن تعلم اللغات الأخرى يمكن أن يكون مفيداً للأطفال الألمان أيضاً، لأنه يخلق مساحة للتعلم المشترك ويعزز التفاعل بين مختلف المجموعات داخل المجتمع.
«السكن حق للجميع»
ممثل اليسار أعاد النقاش في نهايته إلى قضية يعتبرها جوهرية: السكن. إذ ركز في مداخلته على البعد الاجتماعي والمادي للتمييز، معتبراً أن مكافحة العنصرية لا تنفصل عن توفير السكن والحد من ارتفاع الإيجارات. وقال إن الحصول على شقة لا ينبغي أن يتوقف على اسم الشخص أو دينه أو خلفيته، سواء كان مسلماً أو يهودياً أو مسيحياً، مشدداً على أن جوهر المشكلة يتمثل أيضاً في نقص المساكن وارتفاع أسعارها.
وأضاف أن حزبه يطرح برنامجاً واسعاً لزيادة المعروض من المساكن وخفض الإيجارات، وربط ذلك بمسألة السيطرة العامة على جزء أكبر من سوق الإسكان. وبحسب طرحه، فإن امتلاك المؤسسات العامة نفوذاً أكبر في قطاع السكن يمكن أن يقلل من قدرة أصحاب العقارات الخاصة على اتخاذ قرارات تمييزية بحق المستأجرين بناءً على أسمائهم أو خلفياتهم.
من «الاندماج» إلى المساواة
كشف اللقاء في مسجد دار السلام أن مفهوم الاندماج لم يعد، بالنسبة إلى المشاركين، مقتصراً على تعلم اللغة الألمانية أو المشاركة في الحياة العامة، بل بات مرتبطاً بأسئلة أوسع: من يملك القرار؟ من يحصل على السكن؟ كيف تعامل المدارس أبناء المهاجرين؟ وهل تعكس مؤسسات الدولة التنوع الموجود في المجتمع؟
وفي الوقت الذي ركز فيه الحزب الاشتراكي الديمقراطي على إصلاح الإدارة والتدريب والتواصل متعدد اللغات، شدد الخضر على أهمية الانفتاح على الجمعيات والمساجد وتعزيز التمثيل، بينما وضع اليسار قضايا العنصرية والسكن والتمثيل السياسي في قلب رؤيته. ورغم اختلاف الأحزاب في أدواتها وأولوياتها، اتفقت على أن الفجوة بين المؤسسات وبعض شرائح المجتمع لا يمكن معالجتها من خلال الخطابات وحدها.
وفي نويكولن، حيث يعيش مجتمع شديد التنوع، بدا أن السؤال الأهم الذي حمله اللقاء يتجاوز الانتخابات نفسها: هل تستطيع السياسة أن تنتقل من الحديث عن التعددية إلى بناء مؤسسات يشعر فيها السكان، بمختلف خلفياتهم، بأنهم ممثلون ومسموعون ومتساوون أمام الدولة؟