سعى حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) خلال مؤتمره الاتحادي في مدينة إرفورت إلى تقديم نفسه بوصفه قوة سياسية جاهزة للمشاركة في الحكم، مستفيداً من صعوده في استطلاعات الرأي واقتراب انتخابات محلية مهمة في شرق البلاد. غير أن المؤتمر كشف في الوقت ذاته عن تحولات داخلية في موازين القوى، مع تعزيز كل من أليس فايدل وبيورن هوكه نفوذهما داخل القيادة الحزبية.
وفي وقت احتشدت فيه عشرات الآلاف من المحتجين في شوارع إرفورت رفضاً لسياسات الحزب اليميني الشعبوي، نجحت قيادة الحزب في تمرير مؤتمرها دون اضطرابات كبيرة، مؤكدة ما وصفته بقدرتها التنظيمية واستعدادها للانتقال من موقع المعارضة إلى موقع السلطة.
وفي ختام المؤتمر، شددت فايدل على طموح الحزب للوصول إلى السلطة، مؤكدة أن حزبها يسعى إلى “تحمل المسؤولية عن ألمانيا”. كما دعا الرئيس المشارك تينو خروبالا إلى الاستعداد للمشاركة في الحكم، محذراً في الوقت نفسه من إطلاق وعود يصعب تنفيذها، في إشارة إلى احتمالات مشاركة الحزب في حكومات بعض الولايات مستقبلاً.
فايدل تكرس موقعها في القيادة
أظهرت نتائج انتخابات رئاسة الحزب تقدماً واضحاً لصالح أليس فايدل، التي حصلت على 81% من أصوات المندوبين، مقابل 70% فقط لشريكها في الرئاسة تينو خروبالا. ويرى مراقبون أن هذا الفارق يعكس تنامي نفوذ فايدل داخل الحزب، خاصة بعد الجدل الذي أثارته تصريحات خروبالا بشأن ما عُرف بقضية توظيف الأقارب داخل الحزب، وهي القضية التي انتقدها علناً وأثارت استياء بعض القيادات المحلية.
ورغم نفي فايدل وجود أي خطط للانتقال إلى قيادة فردية للحزب، فإن مراقبين يرون أن الفارق في نتائج التصويت، إلى جانب تركيبة القيادة الجديدة، يعززان التكهنات بإمكانية انتقال الحزب مستقبلاً إلى قيادة فردية تتولاها فايدل، مع أن الحديث عن الرئاسة المشتركة أيضاً ما يزال حاضراً في الكواليس السياسية للحزب.
شبكة مونزينماير – Münzenmaier ترسم ملامح القيادة الجديدة
برز اسم سيباستيان مونزينماير – Münzenmaier كأحد أبرز صانعي النفوذ داخل الحزب خلال المؤتمر. وتمكن التيار المحسوب عليه من دعم مرشحين مقربين من فايدل وإيصالهم إلى مواقع قيادية مؤثرة داخل مجلس الإدارة الاتحادي. وأسفرت الانتخابات عن تشكيل مجلس إدارة جديد أكثر شباباً، ويُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره أقرب إلى توجهات فايدل وحلفائها.
انتصارات متتالية لمعسكر فايدل
شهدت انتخابات المناصب القيادية الداخلية سلسلة من النتائج التي صبت في مصلحة التيار الداعم لفايدل. فقد فاز سفين تريتشلر بعضوية مجلس الإدارة متقدما على القيادي المخضرم كاي غوتشالك، كما نجح هانس غناوك في انتزاع منصب أمين الصندوق بعد جولات تصويت متقاربة.
وأثارت بعض هذه الترشيحات انتقادات داخلية، إذ اعتبر عدد من أعضاء الحزب أن الولاءات والشبكات السياسية باتت تتقدم على معايير الخبرة والكفاءة المهنية في اختيار القيادات.
احتجاجات حاشدة خارج المؤتمر
تزامناً مع أعمال المؤتمر، شهدت مدينة إرفورت مظاهرات واسعة احتجاجا على حزب البديل. وقدرت الشرطة عدد المشاركين بنحو 31 ألف شخص، بينما قال المنظمون إن العدد تجاوز 50 ألفاً. وشارك في الاحتجاجات ناشطون وممثلون عن منظمات مدنية متعددة، مطالبين بالتصدي لصعود اليمين المتطرف في ألمانيا. ورغم أن الاحتجاجات اتسمت بالسلمية في معظمها، فإن بعض الحوادث المحدودة وقعت بين متظاهرين وقوات الأمن، كما تعرض عدد من الصحفيين لاعتداءات أسفرت عن إصابات.
هوكه يرسخ حضوره في القيادة الاتحادية
على الجانب الآخر، تمكن بيورن هوكه، رئيس فرع الحزب في ولاية تورينغن وأحد أبرز رموزه، من تعزيز حضوره داخل القيادة الاتحادية عبر انتخاب شخصيات مقربة منه في مناصب مؤثرة. وفاز حليفه ستيفان مولر بمنصب نائب رئيس الحزب بنسبة 75% من الأصوات، كما تمكنت كاترين إبنر-شتاينر، المقربة من هوكه، من الفوز بمنصب قيادي آخر بعد إقصاء أحد أعضاء القيادة السابقين.
وتشير هذه النتائج إلى توسع نفوذ تيار هوكه داخل الحزب، بعد سنوات من الجدل الداخلي بشأن توجهاته السياسية وخطابه المثير للانقسام. ويرى متابعون أن هذه النتائج تمنح هوكه نفوذاً أكبر على المستوى الوطني، بعدما ظل تأثيره لسنوات يتركز بشكل أساسي في ولايات شرق ألمانيا.
الحزب يؤكد التمسك بـ”إعادة الهجرة”
يأتي المؤتمر في ظل استمرار المواجهة القانونية والسياسية بين الحزب وهيئة حماية الدستور الألمانية، التي تصنف الحزب باعتباره موضع اشتباه بالتطرف اليميني وتسعى إلى تثبيت مراقبته على هذا الأساس. وأثارت نتائج الانتخابات الداخلية اهتمام المراقبين، خاصة بعد صعود شخصيات جديدة سبق أن وضعتها أجهزة الأمن تحت المراقبة بسبب مواقفها السياسية.
كما أكد عدد من قيادات الحزب تمسكهم بمفهوم “إعادة الهجرة” (Remigration)، وهو مصطلح يُستخدم داخل بعض أوساط اليمين الأوروبي للدعوة إلى تشديد سياسات الهجرة وزيادة عمليات ترحيل الأشخاص الذين لا يملكون حق الإقامة، فيما يثير جدلاً واسعاً في ألمانيا بسبب اختلاف التفسيرات المرتبطة به.
جدل مؤجل حول العلاقات مع التيارات المتطرفة
كان من المنتظر أن يناقش المؤتمر ما يعرف بـ”قائمة عدم التوافق”، وهي لائحة تمنع انضمام أشخاص سبق لهم الانتماء إلى جماعات تعتبرها السلطات الألمانية متطرفة، مثل حركة الهوية أو الحزب القومي الديمقراطي الألماني. إلا أن المقترح سُحب من جدول الأعمال، وجرى تكليف لجنة خاصة بدراسة الملف وتقديم توصيات بشأنه خلال العام المقبل. ويرى متابعون أن القرار يعكس حساسية الملف داخل الحزب، خاصة في ظل التوازنات القائمة بين التيارات المختلفة وسعي كل طرف إلى تعزيز موقعه قبل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
احتجاجات وحملات لحظر الحزب
بالتزامن مع انعقاد المؤتمر، شهدت مدينة إرفورت واحدة من أكبر موجات الاحتجاج ضد الحزب خلال الأشهر الأخيرة. وقالت الشرطة إن نحو 31 ألف شخص شاركوا في المظاهرات، بينما قدر المنظمون العدد بأكثر من 50 ألفاً. ورفع العديد من المحتجين شعارات تطالب بحظر حزب البديل، وهي الدعوات التي تتبناها بعض القوى السياسية، خاصة حزبي اليسار والخضر، بينما لا يزال الجدل قائماً داخل الأحزاب الكبرى بشأن جدوى هذا الخيار وإمكاناته القانونية.
وبحسب القانون الألماني، فإن قرار حظر أي حزب سياسي يبقى من اختصاص المحكمة الدستورية الاتحادية، بناء على طلب تتقدم به الحكومة أو البرلمان أو مجلس الولايات.
رهان على الحكم
ومن بين الشخصيات التي حظيت باهتمام واسع خلال المؤتمر أولريش زيغموند، مرشح الحزب البارز في ولاية Sachsen-Anhalt، والذي ينظر إليه داخل الحزب بوصفه أحد أبرز وجوه المرحلة المقبلة. ويعول الحزب على نتائج الانتخابات المحلية القادمة لتحقيق اختراق سياسي قد يفتح الباب أمام مشاركته لأول مرة في حكومة ولاية ألمانية، وهو هدف بات يتكرر بشكل متزايد في خطابات قياداته.
وترى فايدل أن دخول الحزب إلى السلطة في إحدى الولايات سيؤدي إلى ما تصفه بـ”تطبيع” حضوره السياسي داخل المشهد الألماني.
حادثة غريبة داخل قاعة المؤتمر
ولم يخل المؤتمر من لحظة أثارت اهتمام وسائل الإعلام والحضور على حد سواء، بعدما دوّت داخل القاعة موسيقى “المسيرة الإمبراطورية” الشهيرة من سلسلة أفلام “حرب النجوم”(Star Wars)، المرتبطة في الثقافة الشعبية بشخصية دارث فيدر و”الجانب المظلم من القوة”.
وأثارت الموسيقى حالة من الارتباك دفعت عناصر الأمن إلى تفتيش القاعة، قبل أن تعلن الشرطة العثور على أربعة مكبرات صوت مخبأة تعمل بتقنية البلوتوث.
صراع نفوذ خلف واجهة الوحدة
ورغم الخطاب الرسمي الذي ركز على الوحدة والاستعداد للحكم، أظهر مؤتمر إرفورت أن حزب البديل من أجل ألمانيا يشهد إعادة ترتيب لموازين القوى الداخلية. وبينما عززت أليس فايدل مكانتها على رأس الحزب، نجح بيورن هوكه أيضاً في توسيع نفوذ حلفائه داخل القيادة، ما يجعل المرحلة المقبلة مرشحة لمزيد من التنافس بين أبرز أقطاب الحزب اليميني الشعبوي.