Skip to main content

من عطبرة إلى أسوان… هدباء تروي رحلة الخروج القسري من السودان

صورة لهدباء في ألمانيا  Foto:(Hudba Ali Mohammad)
صورة لهدباء في ألمانيا Foto:(Hudba Ali Mohammad)

هدباء شابة سودانية، وهي طالبة طب اليوم في ألمانيا، لم يكن خروجها من السودان رحلة اختيار بقدر ما كان امتداداً لواقعٍ فرض عليها المغادرة.

خرجت هدباء مع موجات النزوح التي دفعت آلاف العائلات للخروج من السودان قسرياً، في رحلة طويلة لم تكن الجغرافيا فيها هي التحدي الوحيد، بل الخوف. فالحرب أعادت تشكيل الجغرافيا والذاكرة في السودان، إذ تتبدل الحكايات الفردية إلى شهادات. من بين هذه الشهادات، شهادتها هي، تروي هدباء رحلة امتدت على طرق الشمال السوداني وصولاً إلى مصر، لكنها في حقيقتها كانت امتداداً طويلاً من الخوف.

الرحيل ضرورة لا خياراً

“ما كان عندي خيار”، تبدأ هدباء حديثها بجملة قصيرة، لكنها ثقيلة. لم يكن الخروج قراراً بقدر ما كان استجابة لوضعٍ بلغ نقطة لم يعد فيها البقاء ممكناً. تصف اللحظة الأولى بأنها لحظة اقتلاع كامل، لم يكن هناك وقت لتجهيز فكرة الرحيل، ولا حتى لتخيل شكل الطريق، مغادرة سريعة، وأمتعة قليلة، وأسئلة كثيرة بلا إجابات. 

الطريق إلى مصر كان عبر البر، لكن ما بين نقطة الانطلاق والوجهة كانت هناك دولة أخرى تتشكل على هيئة حواجز، وتفتيش، وانقطاع أخبار. في ظل ضعف الاتصالات وانقطاع الإنترنت، لم يكن أمامهم سوى الاعتماد على روايات الخارجين قبلهم ورسائل الأقارب اللذين يحاولون تلخيص ما يحدث بجمل مقتضبة لا تكفي لفهم المشهد، بينما لا يقدم الراديو سوى أصوات بعيدة، لا تشبه الواقع.

عطبرة: خوف حاضر في كل نظرة 

كانت أولى محطات التوقف في مدينة عطبرة. هناك، أوقفت قوات الدعم السريع الحافلة، وأنزلت الركاب لساعات طويلة تحت الشمس، بينما كانت الحقائب مبعثرة على الأرض. تقول هدباء إن المشهد كان بسيطاً في شكله، لكنه قاسٍ في معناه، حقائب على الأرض، محتويات مبعثرة، وناس يقفون بصمت ثقيل، كل واحد يحاول أن يخفي خوفه عن الآخر، وعندما حلّ الليل سُمح لهم بالتحرك، فباتوا ليلتهم في المدينة.

ورغم القسوة، بقيت مفارقة إنسانية واحدة عالقة في الذاكرة: أهالي عطبرة فتحوا بيوتهم للغرباء دون أسئلة، وقدموا المأوى بلا مقابل، إذ تصف هدباء ذلك “كان في كرم صامت… كأن الناس فاهمة إحنا مرّينا بي شنو حتى بدون ما نحكي”.

في عطبرة امتدت الإقامة المؤقتة قرابة أسبوعين، بسبب الأخبار التي كانت تتحدث عن عدم أمان الطريق شمالاً وانتشار قوات الدعم السريع في بعض المناطق.

دنقلا: الطريق يصبح أثقل  

وحين تحركوا مجدداً، كانت الوجهة التالية دنقلا، توقفوا في دنقلا، إذ تصف هدباء المشهد بأنه كان أكثر قسوة وأن البقاء لم يعد خياراً حينها. 

في دنقلا تغيّر كل شيء، تتحدث هدباء عن تفتيش، إهانات، وتهديدات مباشرة خصوصاً تجاه الرجال والنساء في آن واحد، تتذكر أن بعض الممتلكات صودرت، بينها هواتف ومقتنيات شخصية. وتضيف أن لحظات التهديد بالسلاح كانت دائماً جزءاً من المشهد “ما كان في لحظة واحدة حسّينا فيها إننا بنعدّي بسلام بدون ما يكون السلاح حاضر”.

حلفا: مدينة لا تتسع لكل القادمين

في حلفا، وصلت القافلة إلى مدينة مكتظة إلى حدّ الاختناق. بدايةً من أسعار السكن، التي كانت خارج قدرة معظم النازحين، ما دفع كثيرين للنوم قرب الحافلات في العراء، على الحصى والبرد. ومع ذلك، فتحت مجدداً عائلات من المنطقة أبوابها، حاولت استيعاب بعض القادمين، رغم أن مواردهم كانت محدودة . تقول هدباء إن هذه اللحظات الصغيرة كانت توازن المشهد كله: “إنسانية لا تزال موجودة، رغم قسوة كل شيء”.

26 يوماً إلى أسواك

بعد 26 يوماً من التنقل والتوقفات، وصلت هدباء إلى أسوان في مصر. لكن الوصول لم يكن نهاية الرحلة، بل بداية نوع آخر من الأسئلة: كيف تترك بلدك ولا تتركه في الوقت نفسه؟

وكان، كما تصفه، انتقالاً إلى شكل آخر من الغربة: غربة المكان، وغربة الذاكرة التي بقيت معلقة داخل السودان. فهي كما تقول:
“خَرجت من الحرب وبقيت فيها”

كل خبر يحمل وجهاً تعرفه

حين تتحدث هدباء عن أخبار السودان اليوم، لا تستخدم كلمة “خبر” بالمعنى التقليدي. كل خبر عن قصف أو انقطاع خدمات أو نزوح جديد يتحول فوراً إلى صورة شخصية. حي في أم درمان ليس مجرد اسم، بل يستدعي وجوهاً تعرفها. مستشفى مغلق يعني حياة معلقة، لا رقماً في تقرير. تقول إن أكثر ما يوجعها هو اختزال الناس في أرقام: “هم ما أرقام… هم ناس، كل واحد فيهم قصة كاملة”.

الغربة المزدوجة 

تصف هدباء حالتها بأنها “غربة مزدوجة”. هي في مكان آمن نسبياً، لكن ذهنها ما زال هناك. بين واقع يومي مستقر، ورسائل تأتي من السودان عن انقطاع كهرباء أو ماء أو دواء. هذا التناقض، كما تقول، لا يهدأ ويولّد شعوراً دائماً بالعجز، حتى اللحظات العادية خارج السودان تصبح مثقلة بسؤال آخر يراودها: ماذا يحدث هناك الآن؟

ما يمكن فعله من الخارج

رغم المسافة، تحاول هدباء أن تُبقي خيطاً متصلاً مع السودان عبر تفاصيل تبدو صغيرة، لكنها بالنسبة لها ضرورية. تحرص على التواصل المستمر مع عائلتها، حتى لو كان ذلك عبر رسالة صوتية قصيرة أو مكالمة سريعة، كما تدعم المبادرات الإنسانية السودانية بقدر ما تستطيع، سواء تلك التي توفر الغذاء والدواء أو التي تساعد العائلات المتضررة.

وإلى جانب ذلك، تدرّس اللغة الإنجليزية عبر الإنترنت لطلاب في مدينة كسلا ضمن مبادرة تعليمية بسيطة، ترى فيها محاولة لحماية الأطفال من الانقطاع عن التعليم. وتقول إن هذه الخطوات، رغم محدوديتها، تمنح معنى لفكرة “أن تكون موجوداً رغم الغياب”، وتخفف شيئاً من شعور العجز الذي يرافقها يومياً.

أملٌ لا ينقطع رغم كل شيء

في نهاية حديثها، لا تبدو هدباء وكأنها تملك إجابات واضحة عمّا سيحدث للسودان، لكنها تتمسك بشيء واحد وهو الأمل، الأمل بأن يأتي يوم يستطيع فيه الناس العودة إلى حياةٍ طبيعية، بلا حرب وبشكل يسمح للناس أن يعيشوا دون خوف، وأن يصبح الحلم بسودان آمن ممكناً مرةً أخرى. إذ تقول: “الأمل في سودان آمن … هو الشيء الوحيد الذي يمكن أن يجعل كل هذا ممكناً من جديد”، وتضيف هدباء “قد لا نعرف متى سيحدث ذلك، لكن الأمل نفسه لا يموت في داخلنا”.

أمل باللغة الألمانية

يلا