Skip to main content

من فلسطين إلى أروقة البوندستاغ.. حكاية شابة فلسطينية

  Privat © سارة دعباس داخل البرلمان الألماني (البوندستاغ).
Privat © سارة دعباس داخل البرلمان الألماني (البوندستاغ).

من مقاعد الدراسة في دوسلدورف إلى العمل داخل البرلمان الألماني في برلين، خاضت سارة دعباس تجربة أتاحت لها التعرف عن كثب إلى آليات العمل السياسي، وحمل هويتها الفلسطينية إلى مساحة تتقاطع فيها النقاشات السياسية مع قضايا الهوية والانتماء.

داخل المبنى الرئيسي للبرلمان الألماني في برلين، لم تكن الطاولة التي أعدتها الشابة الفلسطينية خلال حفل برنامج المنحة البرلمانية الدولية مجرد مساحة لعرض المأكولات التقليدية أو المنتجات التراثية، بل كانت فرصة لتقديم فلسطين من زاوية مختلفة، زاوية الثقافة والحياة اليومية، بعيداً عن صور الحرب والسياسة التي غالباً ما تطغى على حضورها في وسائل الإعلام.

زينت سارة الطاولة بالعلم الفلسطيني، ووضعت عليها قطعاً من التطريز والسيراميك الفلسطيني، إلى جانب مأكولات تقليدية وكتيبات سياحية تُعرف بفلسطين ومعالمها. أرادت أن يتيح هذا الحضور للآخرين فرصة للتعرف إلى جانب من هويتها وثقافتها، في مكان تُناقش فيه القضايا السياسية وتُصاغ فيه المواقف والقرارات.

من دراسة أوروبا إلى السياسة الألمانية

بدأ اهتمام سارة بالعمل السياسي خلال دراستها للدراسات الأوروبية، التي قادتها إلى جامعة هاينريش هاينه في مدينة دوسلدورف، حيث درست الماجستير ووسعت معرفتها بالمؤسسات الأوروبية وآليات صنع القرار، مع اهتمام خاص بالبرلمان الأوروبي ودوره في الحياة السياسية.

لكن اهتمامها لم يتوقف عند حدود الاتحاد الأوروبي. فبالنسبة إلى شابة فلسطينية تتابع تطورات السياسة الدولية، لا تنفصل دراسة المؤسسات والعلاقات الدولية عن فهم القرارات التي تتخذها الدول، وكيف يمكن أن تنعكس على قضايا الفلسطينيين ومستقبلهم. من هنا، دفعها وجودها في ألمانيا إلى التعرف عن كثب إلى النظام السياسي الألماني، وفهم طبيعة العلاقة بين البرلمان والحكومة، والآليات التي تتحول من خلالها النقاشات السياسية إلى قرارات سياسية.

وجدت في برنامج المنحة البرلمانية الدولية (International Parliamentary Scholarship – IPS) فرصة للانتقال من الدراسة النظرية إلى الممارسة العملية، والتعرف إلى العمل البرلماني من الداخل، ومتابعة كيفية تعامل النواب مع الملفات السياسية المحلية والدولية. وفي عام 2026، انضمت إلى البرنامج الذي أتاح لها خوض تجربة جديدة في برلين، والتواصل مع مشاركين من دول وخلفيات مختلفة، وتبادل وجهات النظر بشأن السياسة والديمقراطية والعلاقات الدولية.

داخل مكتب نائبة ألمانية

شكل العمل في مكتب النائبة ليا رايسنر، المنتمية إلى حزب اليسار الألماني (Die Linke)، المحطة العملية الأبرز في تجربة سارة. فهناك، لم تعد المؤسسات السياسية موضوعاً تدرسه في الكتب والمحاضرات، بل أصبحت بيئة عمل يومية تتطلب البحث والتحليل ومتابعة النقاشات السياسية.

شاركت سارة في الاجتماعات، وأجرت أبحاثاً بشأن قضايا سياسية ودولية يتابعها المكتب، وأسهمت في إعداد الأسئلة البرلمانية، إلى جانب مهام أخرى أتاحت لها التعرف إلى طبيعة العمل داخل البرلمان الألماني. ومن خلال هذه التجربة، أصبحت أقرب إلى فهم كيفية متابعة القضايا وتحويلها إلى أسئلة وأدوات للرقابة البرلمانية. كما أتاحت لها فرصة الربط بين ما اكتسبته خلال دراستها الأكاديمية ومتطلبات العمل السياسي، حيث لا يقتصر الأمر على فهم القضايا السياسية، بل يشمل أيضاً تحديد المعلومات اللازمة بشأنها وصياغة الأسئلة التي تساعد على مساءلة الجهات المعنية.

وبذلك، مثل البرنامج بالنسبة إليها أكثر من تدريب مهني، فقد أتاح لها اختبار معارفها الأكاديمية في بيئة سياسية فعلية، والتعرف إلى تفاصيل العمل المؤسسي التي لا تكشفها الدراسة النظرية وحدها.

الهوية الفلسطينية في بيئة سياسية ألمانية

قبل بدء التجربة، كانت لدى سارة تساؤلات بشأن طبيعة العمل في مؤسسة سياسية ألمانية، ومدى تأثير خلفيتها الفلسطينية في علاقاتها المهنية وشعورها بالانتماء، خصوصاً في ظل حساسية القضايا المرتبطة بفلسطين وإسرائيل في السياق الألماني.

لكن تجربتها الفعلية لم تتطابق مع تلك المخاوف. تقول إنها لم تشعر بأنها منبوذة بسبب هويتها الفلسطينية، بل وجدت دعماً في بيئة العمل، وتمكنت من أداء مهامها والمشاركة في أنشطة المكتب بوصفها متدربة وعضواً في الفريق. كان هذا الجانب من التجربة مهماً بالنسبة إليها، إذ لم تقتصر المشاركة على اكتساب المهارات المهنية، بل شملت أيضاً اختبار قدرتها على العمل والتعلم داخل مؤسسة سياسية ألمانية من دون الشعور بأن خلفيتها الفلسطينية تحد من مشاركتها. ولا يعني ذلك أن الأسئلة المرتبطة بالهوية تختفي من السياق الألماني، لكنها تعكس، في تجربتها الشخصية، أن الانخراط في بيئة سياسية جديدة لا يستلزم التخلي عن الخلفية التي ينطلق منها المرء.

وبالنسبة إلى سارة، لم يكن التعريف بفلسطين داخل البوندستاغ منفصلاً عن هذه التجربة. فقد أتاحت لها الطاولة الفلسطينية أن تشارك الآخرين جانباً من ثقافتها وتراثها، وأن تقدم صورة لا تختزل الفلسطينيين في الأحداث السياسية وحدها، بل تشمل أيضاً عاداتهم وتقاليدهم وطرق تعبيرهم عن هويتهم.

ما وراء التجربة البرلمانية

ما اكتسبته سارة من التجربة لا يقتصر على معرفة كيفية إعداد الأسئلة البرلمانية أو متابعة الملفات السياسية. فقد خرجت منها بثقة أكبر في قدرتها على العمل ضمن بيئات مهنية مختلفة، وبفهم أعمق للعلاقة بين المعرفة الأكاديمية والممارسة السياسية.

ومن قاعات الجامعة في دوسلدورف إلى مكاتب النواب في برلين، اتخذ اهتمامها بالسياسة شكلاً أكثر عملية. لم تعد المؤسسات الأوروبية والألمانية بالنسبة إليها موضوعاً للدراسة فحسب، بل أصبحت مساحة للتعلم والمشاركة وفهم كيفية عمل السياسة على أرض الواقع. أما الطاولة الفلسطينية داخل البوندستاغ، فبقيت إحدى أبرز محطات هذه الرحلة؛ لأنها أتاحت لها الجمع بين تجربتها المهنية وهويتها الشخصية، وتقديم فلسطين من خلال تفاصيل ثقافية وتراثية قد لا تجد مساحة كافية في النقاشات السياسية اليومية.

وتتطلع سارة إلى البناء على هذه التجربة في مسيرتها الأكاديمية والمهنية في مجالات السياسة والعلاقات الدولية والتعاون الدولي، مستفيدة من المعرفة التي اكتسبتها داخل البرلمان ومن التواصل مع أشخاص ينتمون إلى تجارب مختلفة. فبالنسبة إليها، لم تكن الرحلة إلى البوندستاغ مجرد انتقال من مقاعد الدراسة إلى مكتب نائبة ألمانية، بل فرصة لفهم السياسة عن قرب، واكتشاف إمكانات المشاركة داخل المؤسسات، والاحتفاظ في الوقت نفسه بالهوية التي شكلت نقطة انطلاقها.

أمل باللغة الألمانية

يلا