شهدت المدن الألمانية يوم السبت (31 تشرين الأول/ أكتوبر) احتجاجات واسعة دعت إليها مبادرة «Gen Z regelt» تحت شعارات تطالب بالعدالة الاجتماعية وتطوير التعليم وتوفير تكاليف المعيشة. ورغم إبداء أكثر من 180 ألف شخص رغبته في المشاركة، تقول بيانات صادرة عن المبادرة أن نحو 120 ألف متظاهر شاركوا بالاحتجاجات في 30 مدينة، وهو رقم يقل كثيراً عن التوقعات. ورجّحت الباحثة في قضايا الاحتجاجات، نينا كوليك، هذا التراجع إلى الخوف من تصاعد العنف وعزوف «المؤتمر الاتحادي للطلاب» عن دعم الحراك.
طلاب برلين يرفضون الخدمة العسكرية الإجبارية
في العاصمة برلين، تجمع الآلاف أمام بوابة براندنبورغ، إذ قدّرت الشرطة أعداد المشاركين بنحو 5 آلاف شخص، فيما تشير تقديرات القائمين على المبادرة إلى مشاركة 10 آلاف شخص. ووجّه المحتجون انتقادات حادة للسياسات الحكومية.
وقالت المتحدثة باسم المبادرة كايا شواب: «قيل للشباب إن الاجتهاد يضمن الحياة الكريمة، لكن الواقع أظهر صعوبة تحمل تكاليف المعيشة والتهديد بالخدمة العسكرية الإجبارية». وقد حددت المبادرة مطالبها في ست نقاط رئيسية: زيادة التمويل للمدارس والصحة النفسية، وخفض تكاليف المعيشة، زالعدالة في توزيع الأعباء، ورفض الخدمة العسكرية الإجبارية، وحماية الحريات الأساسية، وتطبيق سياسات مناخية جادة.
مواجهات عنيفة في ساعات الليل
ومع انقضاء الفعاليات السلمية خلال الظهيرة، تحولت المشاهد في عدة مدن إلى مواجهات عنيفة في ساعات الليل، لا سيما في فرانكفورت أم ماين وكولن. وأشارت السلطات والأجهزة الأمنية إلى أن مجموعات من مثيري الشغب ركبت موجة الاحتجاجات واستغلتها كغطاء لأعمال العنف والنهب، دون وجود صلة تنظيمية بينها وبين حراك «Gen Z regelt».
ففي فرانكفورت، أسفرت المواجهات عن إصابة أكثر من 100 عنصر من الشرطة، بينهم ضابط تعرض لإصابة بالغة في الوجه. وأعلن وزير داخلية ولاية هيسن، رومان بوسيك، أن الشرطة احتجزت 54 شخصاً تراوحت أعمارهم بين 13 و29 عاماً، موضحاً أن غالبية المعتقلين يحملون الجنسية الألمانية. وأفاد بوسيك وقائد العمليات إريك هيسينمولر بأن الأمن تعامل مع 1000 إلى 1500 شخص من مثيري الشغب، ينتمون إلى خلفيات مهاجرة وتيارات يسارية، إضافة إلى عناصر ذات ارتباطات بأوساط مؤيدة لفلسطين بحسب وصفهم. وهذه المعلومات لا تعتبر حقائق مثبتة قضائياً، أو نتائج نهائية للتحقيقات. وهذا ما اعترض عليه وزير الدفاع الاتحادي بوريس بيستوريوس، وتساءل سياسي حزب SPD عن المقصود بهذه الفئات، ولا سيما أن بعض الأشخاص قد يكونون مواطنين ألماناً منذ فترات زمنية بعيدة.
شرطة كولن تنهي التجمع بسبب الاعتداء على أفرادها
وفي كولن، أنهت الشرطة التجمع مبكراً إثر رشق أفرادها بالألعاب النارية والزجاجات وإقامة الحواجز، مما أدى إلى إصابة 23 شرطياً وتضرر خمس سيارات للشرطة والاعتداء على فرق الإطفاء. كما سجلت مواجهات متفرقة وإصابات في صفوف الأمن بمدن هامبورغ، وشتوتغارت، وبرلين، ونورنبرغ، ولايبزيغ، حيث استخدم رذاذ الفلفل وخراطيم المياه لتفريق المشاغبين.
ردود فعل سياسية واسعة
أثارت هذه الأحداث ردود فعل سياسية واسعة؛ إذ أدان وزير الداخلية الاتحادي، ألكسندر دوبريندت، أعمال الشغب مشيراً إلى أن «مجموعات يسارية مستعدة للعنف ومجموعات فوضوية من خلفيات مهاجرة اختطفت الاحتجاجات السلمية»، مشيداً بيقظة الشرطة التي منعت سيناريوهات عنف مشابهة لما شهدته باريس. ومن جانبه، أكد رئيس حكومة هيسن، بوريس راين، ورئيس وزراء بافاريا، ماركوس زودر، أن الدولة ستتعامل بحزم ولن تسمح بفرض واقع الشغب.
في المقابل، دعت وزيرة التعليم الاتحادية، كارين برين، إلى الفصل بين العنف ومطالب الشباب المشروعة، معربة عن تطلعها لفتح حوار أعمق مع المتظاهرين السلميين حول إصلاح التعليم ورعايته. وشدد المدير البرلماني لكتلة الحزب الاشتراكي الديمقراطي، ديرك فيزه، ورئيسة حزب الخضر، فرانسيسكا برانتنر، على ضرورة الاستجابة لمخاوف الجيل الشاب وعدم السماح للعنف بطمس رسالتهم الاجتماعية.
مبادرة «Gen Z regelt» تتنصل من أعمال العنف
من جهتها، تنصلت مبادرة «Gen Z regelt» بشكل قاطع من أي أعمال عنف. وأكد متحدث باسمها أن ما حدث عقب انتهاء الكلمات كان خارج نطاق سيطرتهم، مشدداً في بيان عبر منصة إنستغرام: «نحن نؤيد الاحتجاج السلمي والديمقراطي، ولم يكن العنف ولن يكون جزءاً من حركتنا».
وتكشف الخلفية التنظيمية للمبادرة عن إدارة يقودها فريق مصغر؛ إذ يظهر اسم أكرم سيلو (18 عاماً) في الإشعار القانوني لموقعها، والذي أوضح أن الفريق يضم خمسة أفراد يعملون عبر وسائل التواصل الاجتماعي كـ TikTok وTelegram، مبرراً تكتم بعض الأعضاء بعدم الإفصاح عن هوياتهم بدواعي السلامة الشخصية.
وتستعد المبادرة لمواصلة حراكها من خلال تنظيم فعاليات داخل المدارس والجامعات، تمهيداً للمشاركة في «إضراب الشباب الدولي» المزمع عقده في 20 تشرين الثاني/ نوفمبر، وسط تطلع لتنسيق الجهود مع المنظمات الطلابية الأخرى لتحقيق مطالبهم عبر مسارات سلمية.