Skip to main content

من يحق له مصادرة مفردات الفلسطينيين؟ حكاية أحمد في ألمانيا

أحمد عثمان أثناء مشاركته في مؤتمر فلسطين 2024 الذي أقيم في مدينة فيينا.  Foto: StefanieJSteindl_121
أحمد عثمان أثناء مشاركته في مؤتمر فلسطين 2024 الذي أقيم في مدينة فيينا. Foto: StefanieJSteindl_121

حين داهمت الشرطة الألمانية مكتب أحمد، الموظف لدى حكومة ولاية شمال الراين-وستفاليا، تجاوزت المواجهة حدود نشاطه الميداني لتمس مستقبله المهني، في محطة جسدت، حسب وصفه، اختباراً حقيقياً للتناقض الصارخ في بنية القضاء والسياسة الألمانية. يسأل ابن الحادي والثلاثين ربيعاً، معلقاً على اتهامات الأجهزة الأمنية للمنظمة التي شارك بتأسيسها بنشر”الإرهاب المعنوي”، وقرار حظرها ومداهمة منزله: “من يحق له مصادرة مفردات الفلسطينيين وتحديد كيف يروون قصة وطنهم؟”. هذا السؤال ذاته كان حاضراً حين وقف أحمد يوم الجمعة الماضي أمام المحكمة الابتدائية بدوسلدورف، ليدافع في أروقتها ضد تهم يعتبرها باطلة ومجحفة بحق قضيته.

حيفا التي ورثها عن عائلته

وُلد أحمد في أزقة مخيم اليرموك بسوريا، وكبر على قصص وطنٍ لم يره. ورث مفتاحاً لبيت جده في قرية “بلد الشيخ” بقضاء حيفا؛ تلك الأرض التي طمس المستوطنون ملامحها وسموها “تل حنان” لتصبح جزءاً من مستعمرة “نيشر” في وقت لاحق، لكنها ظلت في وجدانه “حيفا التي لا تُنسى” كما يقول.

بعد وصوله إلى ألمانيا، وجد أحمد في النشاط السياسي بحسب وصفه “صوتاً ينبض بهويته ويعبر عن انتمائه”. في عام 2023، شارك في تأسيس منظمة “التضامن مع فلسطين في دويسبورغ” (PSDU)؛ طامحاً أن يُترجم نضاله لوطنه فلسطين إلى خطاب سياسي حيّ يلامس شوارع المهجر، ويعيد الاعتبار لحقوق فلسطينية راسخة لا تقبل المحو.

أحمد عثمان وصديقه ليون فيستريخوفسكي المؤسسان لمنظمة التضامن مع فلسطين في دويسبورغ. Foto: Privat

مظاهرة غيّرت مسار الحكاية

بعد يومين فقط من أحداث السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، نظمت المنظمة مظاهرة في مدينة دويسبورغ. يتذكر أحمد الحضور الأمني والإعلامي الكثيف آنذاك، مُقدّراً حشد الشرطة بنحو 200 عنصر لمواجهة قرابة مئتي متظاهر. سرعان ما تحولت الفعالية إلى نقطة مفصلية؛ إذ طرحت المنظمة خطاباً سياسياً حاداً ومباشراً حسب قوله يُجرّم اسرائيل ويؤكد على حق المقاومة دون مهادنة، وهو ما اعتبرته السلطات والإعلام المحلي تجاوزاً للخطوط الحمراء التي رسمتها السياسة الألمانية. استُخدمت منشورات المنظمة على وسائل التواصل الاجتماعي وهتافات تلك الليلة لاحقاً كذرائع في أروقة التحقيق، ومنذ ذلك اليوم، تحوّل النشاط الذي أراده أحمد وسيلة لإيصال قضية سياسية إلى سلسلة ممتدة من المواجهات القانونية مع الأجهزة الأمنية.

حين وصلت القضية إلى باب المنزل والمكتب

في 16 أيار/مايو 2024، حظرت سلطات ولاية شمال الراين-وستفاليا المنظمة، وداهمت منازل أربعة أشخاص نشطين فيها، بينهم أحمد، الذي لم يكن في المنزل حينها. بالاستناد إلى صديقه الذي كان نائماً في منزله، يوضح أحمد أن عناصر الأمن دخلوا المنزل دون أن يطرقوا الباب، وأخذوا أجهزة إلكترونية وأغراضاً أخرى. ولم تتوقف الإجراءات عند المنزل؛ فقد امتدت إلى مكتب عمله في قسم تقنية المعلومات التابع إدارياً لرئاسة حكومة الولاية. يصف أحمد ما حدث بأنه انتقال مفاجئ من خلاف سياسي في الشارع إلى مواجهة تمس حياته الخاصة وعمله. وبناءً على قرار الحظر، فُصل أحمد من عمله بسبب ما اعتبرته الولاية استمراراً لنشاطه السياسي وارتباطه بمنظمة محظورة، وبسبب مخاوف أثارتها بشأن حياده وموثوقيته في عمله التقني، وبإتهامه بأنه يستطيع الوصول إلى معلومات حساسة للدولة، وإمكانية محاولته استغلال هذه المعلومات. غير أن محكمة العمل أبطلت قراري الفصل اللذين أصدرتهما الولاية تباعاً؛ إذ كسب أحمد كما يقول القضية الأولى بفضل خطأ إجرائي للإدارة، وربح الثانية لعدم منطقية أسباب الفصل ومساسها بحرية التعبير التي يكفلها الدستور الألماني. وتخوض الولاية اليوم معركة استئناف ضد هذه القرارات، مرجئة الحسم إلى جلسة مرتقبة أمام محكمة العمل العليا في كانون الثاني/يناير 2027.

محاكم متعددة ومعركة واحدة

صباح الجمعة الماضي 23 تشرين الأول/أكتوبر 2026، وقف أحمد مجدداً أمام المحكمة الابتدائية في دوسلدورف، رافضاً التهم الموجهة إليه بسبب شعارات رددها في مظاهرات مؤيدة لفلسطين. وبحسب لائحة الاتهام، ردد أحمد شعار “من النهر إلى البحر، ستكون فلسطين حرة”، وهو الشعار الذي تُصر النيابة العامة على ربطه بحركة حماس، معتبرة إياه فعلاً يعاقب عليه القانون الألماني بموجب المادة 86أ. ورغم أن أحمد واجه نحو 29 قضية مرتبطة بنشاطه السياسي منذ أحداث السابع من أكتوبر، كسب منها نحو سبع قضايا، إلا أنه يرفض تماماً الاستسلام أو قبول المساومة. ففي الوقت الذي تسعى فيه بعض المحاكم لفرض غرامات مالية لإغلاق الملفات وتجريم الهتافات، يصر أحمد على خوض هذه المعارك القانونية حتى النهاية.

لماذا لا ينسحب؟

كان بإمكان أحمد أن يقبل بدفع غرامة مالية رمزية أو يعترف بخطأ تراه السلطات الألمانية فادحاً، لينهي سنوات من الملاحقات المستمرة. لكنه يرى أن ذلك سيساهم في تضييق مساحة التعبير عن التضامن مع الفلسطينيين ويشرعن تخويفاً مستمراً للنشطاء. يوضح أحمد رؤيته المعقدة للقضاء الألماني بالقول إنه ليس كتلة واحدة؛ فهو يؤمن بوجود استقلالية نسبية للقضاة في القضايا المدنية واليومية، لكنه يرى بوضوح أن القضايا المرتبطة بإسرائيل وفلسطين تكشف انحيازاً سياسياً صارخاً وتأثراً بالمواقف الرسمية السياسية. لذلك، فإن استراتيجيته تقوم حسب ما يقول على قاعدة واضحة وهي، إما إجبار القضاء الألماني على تطبيق نصوصه القانونية العادلة، أو تعريته أمام الرأي العام وإظهار عجزه وانحيازه.

وعن مخاوفه من تداعيات هذا النشاط على مستقبله، يقول أحمد إن الخوف لا يسيطر عليه، رغم توقعه الدائم لمزيد من الضغوط والملاحقات. هو بحسب قوله يدرك تماماً أنه الأقل تضرراً مقارنة بمن لا تستطيع أصواتهم الوصول، لكنه يؤكد أن السكوت والتراجع ليسا حلاً، وأن المعركة المستمرة هي الثمن الطبيعي للدفاع عن حقوق فلسطينية راسخة لا تقبل المحو.

أمل باللغة الألمانية

يلا