Skip to main content

مظاهرات 31 أكتوبر.. بين مطالب الشباب ومخاوف الاختراق المتطرف

 Loic Venance/dpa ©
Loic Venance/dpa ©

تتجه الأنظار في ألمانيا إلى المظاهرات المقررة في 31 أكتوبر/تشرين الأول، بعدما أثارت دعوات أطلقتها مبادرة شبابية تُعرف باسم «Gen Z regelt» أي “جيل زد يتولى زمام الأمور”، نقاشاً سياسياً وأمنياً بشأن مطالب الجيل الشاب، واحتمالات استغلال الاحتجاجات من قبل جماعات متطرفة.

وبينما يدافع منظمو المظاهرات عن حق الشباب في التعبير عن مطالبهم الاجتماعية والسياسية، تحذر أطراف سياسية وأمنية من احتمال توظيف هذه الاحتجاجات لتحقيق أهداف لا ترتبط بالضرورة بالمطالب المعلنة. يأتي ذلك في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى الاحتجاج في عدد من المدن الألمانية، وسط تباين في المواقف بين مؤيدين يرون في التحركات فرصة لإيصال صوت الشباب، وأطراف أخرى تشكك في قدرة المنظمين على ضمان سلميتها ومنع استغلالها سياسياً.

مطالب اجتماعية تتجاوز حدود التعليم

تطرح المبادرة الشبابية مجموعة من المطالب التي تتصل بظروف الحياة اليومية للشباب في ألمانيا، من بينها تحسين أوضاع المدارس والتعليم، ومواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة، وتعزيز حماية المناخ، والاعتراض على سياسات التقشف وتوزيع الأعباء الاجتماعية. كما تشمل المطالب الاعتراض على التجنيد الإجباري والفحوص المرتبطة بالخدمة العسكرية.

وأكد أكرم سيلو، أحد منظمي المبادرة، أن المنظمين ينأون بأنفسهم عن جميع أشكال العنف، مشدداً على أن المظاهرات تهدف إلى إيصال مطالب الشباب إلى صانعي القرار بالوسائل السلمية.

وبحسب تقارير إعلامية ألمانية، حظيت الدعوات إلى المشاركة باهتمام واسع على الإنترنت، مع تسجيل أعداد كبيرة من المهتمين بالمشاركة في مدن عدة، إذ تجاوز عدد الذين أبدوا اهتمامهم بالمشاركة في الاحتجاجات عبر الإنترنت 134 ألف شخص في 23 مدينة ألمانية، مع تسجيل أعداد مرتفعة في شتوتغارت وكولون وفرانكفورت، غير أن هذه الأرقام لا تمثل عدد المشاركين الفعليين، الذي لن يتضح إلا بعد انطلاق المظاهرات.

الخضر واليسار يدافعون عن حق الشباب في الاحتجاج

في مقابل التحذيرات الأمنية، برزت أصوات سياسية تدعو إلى عدم التعامل مع المظاهرات باعتبارها تهديداً أمنياً قبل اتضاح طبيعتها على الأرض.

وفي هذا السياق، دعت رئيسة الكتلة البرلمانية لحزب الخضر، بريتا هاسلمان، إلى احترام حق الشباب في التظاهر السلمي والإصغاء إلى مطالبهم، محذرة من أن التركيز على احتمالات العنف قد يصرف الانتباه عن القضايا التي تدفعهم إلى الاحتجاج. كما شدد زعيم الحزب، فيليكس بانازاك، على ضرورة التعامل مع مطالب المحتجين بجدية، مع التأكيد أن رفض العنف يظل مبدأ لا يقبل المساومة.

من جهتها، حذرت النائبة عن حزب اليسار والخبيرة في الشؤون الداخلية، كلارا بينغر، من إطلاق تحذيرات بشأن احتمال اختراق المظاهرات من قبل جماعات متطرفة أو التأثير في مسارها من الخارج، دون الاستناد إلى أدلة ملموسة. وشددت على ضرورة عدم اتخاذ المخاوف الأمنية العامة ذريعة لتهميش المطالب التي يرفعها الشباب أو إلغاء حقهم في الاحتجاج السلمي.

ويتمحور هذا الموقف حول التمييز بين حق المواطنين في الاحتجاج، الذي تكفله القوانين الألمانية، وبين أي أعمال عنف أو محاولات لاستغلال التجمعات لتحقيق أهداف متطرفة.

تحذيرات من الاتحاد المسيحي وداخل الائتلاف الحكومي

في المقابل، تتصاعد التحذيرات من احتمال استغلال المظاهرات من قبل جماعات متطرفة، ولا سيما من اليسار المتطرف، بحسب تصريحات لسياسيين ومسؤولين معنيين بالشؤون الداخلية.

وفي ظل هذه المخاوف، حذر مسؤولون سياسيون في ألمانيا من احتمال استغلال المظاهرات من قبل جماعات متطرفة، بما قد يؤدي إلى انحرافها عن أهدافها المعلنة وإثارة أعمال عنف على غرار ما حدث في فرنسا. ودعا ألكسندر تروم، المسؤول عن الشؤون الداخلية في الكتلة البرلمانية للاتحاد المسيحي، وسيباستيان فيدلر، المنتمي إلى الحزب الاشتراكي الديمقراطي، إلى أخذ هذه المخاطر على محمل الجد. وفي السياق ذاته، أعلن وزير داخلية ولاية هيسن، رومان بوزيك، استعداد السلطات لتعزيز الإجراءات الأمنية بالتزامن مع الاحتجاجات المرتقبة.

وحذر وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبريندت، المنتمي إلى الحزب المسيحي الاجتماعي، من احتمال استغلال جماعات من اليسار المتطرف المظاهرات الشبابية المقررة في 31 أكتوبر/تشرين الأول، ومحاولة توظيفها لتحقيق أهداف تتجاوز مطالب منظميها. وقال دوبريندت، في تصريحات لقناة ZDF الألمانية، إن السلطات تتابع التطورات المرتبطة بالمظاهرات بصورة يومية، بما في ذلك نشاط الجماعات المتطرفة على الإنترنت.

ولا تقتصر المخاوف على هوية المشاركين المحتملين، بل تشمل أيضاً قدرة الجهات المنظمة على ضبط التحركات والحيلولة دون تحولها إلى مواجهات مع الشرطة. وفي هذا الإطار، تتابع السلطات الأمنية الدعوات المنشورة عبر الإنترنت، وتتبادل المعلومات بشأن التطورات المحتملة، في ظل تنسيق مع شركاء أوروبيين، من بينهم فرنسا وإيطاليا. وتؤكد هذه التحركات أن السلطات تتعامل مع المظاهرات باعتبارها حدثاً يستدعي الاستعداد الأمني، من دون أن يعني ذلك ثبوت وقوع أعمال عنف قبل انطلاقها.

مؤتمر الطلاب الاتحادي يتراجع عن دعم المظاهرات

ومن أبرز التطورات التي رافقت الجدل إعلان مؤتمر الطلاب الاتحادي في ألمانيا (Bundesschüler*innenkonferenz) عدم دعمه المظاهرات التي تنظمها مبادرة «Gen Z regelt» بصيغتها الحالية. ويأتي هذا الموقف بعد أن عبر المؤتمر سابقاً عن تأييده المشروط للاحتجاجات السلمية، لكنه أبدى لاحقاً مخاوف تتعلق بغموض الهياكل التنظيمية واحتمال توظيف مطالب الطلاب لأغراض سياسية.

كما أثارت مخاوف ممثلين عن الطلاب في برلين تساؤلات بشأن قدرة المنظمين على منع جماعات أخرى من الاستحواذ على التحركات أو تغيير مسارها. ولا يعني هذا الموقف رفض المطالب التعليمية أو إنكار حق الطلاب في الاحتجاج، إذ يؤكد ممثلو الطلاب استمرار دعمهم لتحسين أوضاع التعليم، مع توجه إلى تنظيم تحركات خاصة بهم في نوفمبر/تشرين الثاني.

ويكشف هذا التباين عن خلاف يتجاوز مسألة المشاركة في مظاهرات بعينها، ليطرح سؤالاً أعمق بشأن الجهة التي تمثل الشباب، والضمانات المطلوبة للحفاظ على استقلالية مطالبهم عن التجاذبات السياسية.

لماذا تُستحضر فرنسا في النقاش الألماني؟

وتشكل المقارنة مع فرنسا أحد محاور الجدل الدائر في ألمانيا بشأن المظاهرات المرتقبة، بين من يرى في التحركات الاحتجاجية الفرنسية مصدر إلهام للشباب الألمان، ومن يحذر من انتقال أعمال العنف التي رافقت بعض تلك الاحتجاجات إلى الشارع الألماني. وفي مقابلة مع قناة ZDF الألمانية، أشارت ممثلة الطلاب روز سوزر إلى أوجه تشابه بين البلدين في ما يتعلق بتحديات التعليم ومحدودية المشاركة السياسية ومخاوف الشباب بشأن المستقبل.

وبينما يستلهم بعض الشباب الألمان التحركات الفرنسية للتعبير عن مطالب متقاربة، تستحضر السلطات الألمانية ما رافق بعض تلك التحركات من أعمال عنف، لتبقى حدود التشابه بين الحركتين موضع جدل قبيل انطلاق المظاهرات. فقد أعلنت شرطة شتوتغارت، في 27 أكتوبر/تشرين الأول، رصد مؤشرات إلى احتمال وقوع اضطرابات، مشيرة إلى أنها تتابع دعوات عبر الإنترنت تحرض على العنف، لكنها رحبت في الوقت نفسه بدعوات إلى الاحتجاج السلمي. أما شرطة لايبزيغ، فأكدت استعدادها لتأمين المظاهرات، موضحة أن المعطيات المتاحة لا تتيح مقارنة الوضع في المدينة بأحداث العنف التي شهدتها فرنسا.

الشباب يطالبون بإسماع صوتهم

ولا تقتصر النقاشات في ألمانيا على المخاوف الأمنية، بل تمتد إلى تساؤلات بشأن مدى تمثيل الشباب في القرارات التي ترسم ملامح مستقبلهم. وفي مقابلة مع قناة ZDF الألمانية، قالت ممثلة الطلاب روز سوزر إن الشباب يشعرون بأن أصواتهم لا تحظى بالاهتمام الكافي، مشيرة إلى تحديات تواجه قطاع التعليم، ومحدودية المشاركة السياسية، فضلاً عن المخاوف المرتبطة بأزمة المناخ. كما شددت سوزر على أهمية أن تبقى الاحتجاجات سلمية، بما يتيح إبقاء مطالب الشباب في صدارة النقاش، بعيداً عن الجدل بشأن احتمالات العنف.

الشرطة تستعد.. والهالوين يضيف تحدياً أمنياً

وتكتسب المظاهرات المقررة في 31 أكتوبر/تشرين الأول أهمية أمنية إضافية لتزامنها مع ليلة الهالوين، التي تشهد في بعض المناطق استخدام الألعاب النارية ووقوع اضطرابات. وتستعد السلطات للتعامل مع سيناريوهات متعددة، كانضمام جماعات متطرفة إلى التجمعات، ووقوع اشتباكات أو اعتداءات على الممتلكات، فضلاً عن احتمال تداخل الاحتجاجات مع أحداث أخرى في الشوارع.

لكن التحذيرات الأمنية لا تعني بالضرورة أن المظاهرات ستشهد أعمال عنف، كما لا تسمح وحدها بالحكم على طبيعة جميع المشاركين فيها. ويظل التحدي أمام الشرطة والجهات المنظمة هو ضمان ممارسة حق التظاهر السلمي، ومنع الاعتداءات أو التخريب، من دون التعامل مع المحتجين جميعاً باعتبارهم مصدر تهديد.

بين حماية الأمن والاستماع إلى الشباب

يعكس الجدل الدائر في ألمانيا انقساماً بشأن كيفية التعامل مع موجة الاحتجاجات الشبابية، فبينما يرى مؤيدو المظاهرات أنها وسيلة مشروعة للضغط من أجل تحسين الظروف الاجتماعية والتعليمية، تحذر أطراف سياسية وأمنية من مخاطر استغلالها من قبل مجموعات متطرفة.

وفي المقابل، يشدد منتقدو المبالغة في التحذيرات الأمنية على ضرورة التمييز بين المخاطر المحتملة والوقائع المثبتة، حتى لا تتحول المخاوف من العنف إلى سبب لتهميش مطالب الشباب. ومع اقتراب موعد المظاهرات، يبقى السؤال الأساسي متعلقاً بقدرة المنظمين على الحفاظ على سلمية التحركات، وبكيفية تعامل الأجهزة الأمنية مع المشاركين، ومدى نجاح الاحتجاجات في إيصال رسالتها إلى المؤسسات السياسية.

فما سيحدث في 31 أكتوبر/تشرين الأول لن يحدد فقط حجم المشاركة الشبابية، بل سيكشف أيضاً عن طبيعة العلاقة بين جيل يسعى إلى التأثير في القرارات التي تمس مستقبله، وسلطاتٍ ألمانية تحاول الموازنة بين حماية الأمن العام وضمان الحق في الاحتجاج.

أمل باللغة الألمانية

يلا