حذرت أجهزة الأمن الألمانية ومسؤولون حكوميون مما وصفوه بمحاولات منظمات إسلامية متشددة التغلغل في المؤسسات السياسية والمجتمعية الألمانية، عبر أنشطة اجتماعية وتعليمية وخيرية تبدو معتدلة في ظاهرها، لكنها – بحسب تلك الجهات – تهدف إلى إحداث تأثير تدريجي داخل المجتمع، وفق ما أوردته صحيفة Hamburger Abendblatt الألمانية.
وقال رئيس هيئة حماية الدستور في هامبورغ، تورستن فوس، إن من بين الأساليب التي تعتمدها جماعة الإخوان المسلمين “إخفاء المواقف المتطرفة خلف خطاب عام معتدل”، مشيراً إلى أن الأجهزة الأمنية تتابع عن كثب أنشطة تعتبرها جزءاً من استراتيجية طويلة المدى للتأثير في المجتمع.
وجاءت تصريحات فوس بعد أسابيع من تحذيرات مماثلة أطلقها نائب رئيس المكتب الاتحادي لحماية الدستور، سينان سيلين، الذي قال إن منظمات إسلامية تحاول التغلغل داخل المؤسسات السياسية الألمانية.
أنشطة خيرية وتعليمية تحت المراقبة
وأوضح فوس أن السلطات الأمنية ترصد أنشطة خيرية وبرامج شبابية ومبادرات تعليمية موجهة للأطفال والبالغين لا تظهر للعلن باعتبارها متطرفة، لكنها – وفق تقييم الهيئة – تخدم أهدافاً تتعلق بالتأثير التدريجي في المجتمع. وأضاف أن أجهزة الأمن تتابع ما وصفه بـ”تحركات الإسلاميين الهادئة”وتراقب تطوراتها بشكل مستمر.
تحذيرات من اختراق الأحزاب والمؤسسات
من جانبه، حذر كريستوف دي فريس، النائب عن حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي ووكيل وزارة الداخلية البرلماني، من ما اعتبره محاولات منظمة للتأثير في السياسة والمجتمع من قبل تيارات الإسلام السياسي غير العنيفة. وقال إن التخلي عن العنف لا يجعل هذه الجماعات أقل خطورة، مضيفاً أن الهدف النهائي لجماعة الإخوان المسلمين يتمثل – بحسب رأيه – في إقامة نظام قائم على الشريعة الإسلامية. وأضاف: “إقامة مثل هذا النظام تعني نهاية النظام الديمقراطي الحر الذي يقوم عليه الدستور الألماني”.
انتقادات لتواصل سياسيين مع جهات مثيرة للجدل
وأشار دي فريس إلى أن بعض السياسيين الألمان يشاركون أحياناً في مناسبات أو فعاليات تنظمها جهات يشتبه بارتباطها بأوساط إسلامية متشددة، معتبراً أن ذلك يمنحها شرعية سياسية غير مستحقة. وقال إن الحكومات والأحزاب السياسية ينبغي أن تتعامل بحذر شديد مع أي جهات تحوم حولها شبهات تتعلق بالإسلام السياسي. وأضاف أن زيارة شخصيات سياسية رفيعة المستوى لمثل هذه المؤسسات أو مشاركتها في فعالياتها قد تؤدي إلى منحها شرعية ومكانة عامة لا تستحقها.
انتقاد أولاف شولتس بسبب المركز الإسلامي في هامبورغ
واستشهد المسؤول الألماني بحادثة تعود إلى عام 2016 عندما استقبل المستشار الألماني السابق أولاف شولتس، الذي كان يشغل آنذاك منصب عمدة هامبورغ، رئيس المركز الإسلامي في هامبورغ آية الله محمد هادي رمضاني داخل مقر البلدية. كما منح شولتس المركز رعاية مشروع تعليمي، رغم أن الجمعية المشغلة للمركز كانت خاضعة لمراقبة هيئة حماية الدستور منذ سنوات طويلة، بحسب دي فريس.
المسجد الأزرق واتهامات بالارتباط بطهران
وكان المركز الإسلامي في هامبورغ، الذي حُظر لاحقاً، يدير مسجد الإمام علي المعروف شعبياً باسم “المسجد الأزرق” المطل على بحيرة الألستر في المدينة. وسبق لرئيس هيئة حماية الدستور في هامبورغ أن وصف المسجد بأنه “ذراع ممتد لطهران”. وجاء في قرار الحظر الصادر بحق المركز الإسلامي أن الجمعية المشغلة له تنتهك النظام الدستوري الألماني، كما تتهمها السلطات بنشر خطاب معاد لليهود ومعادٍ لإسرائيل.
فحص المتقدمين للوظائف الحكومية
وفي إطار الجهود الرامية إلى منع تسلل المتطرفين إلى مؤسسات الدولة، أقرت ولاية هامبورغ إجراءات جديدة تقضي بفحص جميع المتقدمين للعمل في القطاع العام من خلال هيئة حماية الدستور. وصوّت برلمان الولاية خلال يونيو/حزيران الماضي لصالح الإجراء بأغلبية 85 نائباً مقابل معارضة 25 نائباً. وبموجب النظام الجديد، لن تكتفي الهيئة بإبلاغ المؤسسات الحكومية بوجود شبهات ضد المتقدمين، بل ستوضح أيضاً طبيعة الأنشطة أو المعلومات التي تستند إليها تلك الشبهات.
مخاوف من اختراق مؤسسات الدولة
وقال وزير داخلية هامبورغ آندي غروته إن الدولة الديمقراطية لا يمكن أن تستمر دون موظفين يؤمنون بالدستور ويلتزمون به. وأضاف أن السلطات اكتشفت خلال السنوات الماضية نحو 50 حالة لأشخاص تبين بعد توظيفهم أنهم يحملون توجهات متطرفة، مشيراً إلى أن عدداً من هذه الحالات كان مرتبطاً بما وصفه بالأوساط الإسلاموية، وخاصة داخل المؤسسات التعليمية والمدارس.
دعم سياسي واسع للإجراءات الجديدة
وحظيت إجراءات الفحص الأمني بدعم أحزاب الاشتراكي الديمقراطي والخضر والاتحاد الديمقراطي المسيحي. وأكد مؤيدو المشروع أن القوانين الألمانية تفرض قيوداً صارمة على جمع المعلومات الشخصية وتخزينها، كما تمنح المتقدمين حق الاطلاع على البيانات المتعلقة بهم والطعن فيها قبل اتخاذ أي قرار نهائي. وشددوا على أن القرار النهائي بشأن التوظيف يبقى من اختصاص الجهة الحكومية المعنية، وليس هيئة حماية الدستور.
تقرير رسمي عن جماعة الإخوان المسلمين
وخصص التقرير السنوي الأخير لهيئة حماية الدستور في هامبورغ فصلاً خاصاً لجماعة الإخوان المسلمين، واصفاً إياها بأنها أقدم حركة إسلامية عابرة للحدود تمتلك شبكة تنظيمية دولية واسعة. وأشار التقرير إلى أن الجماعة، التي تأسست عام 1928، تسعى إلى إقامة “دولة مدنية ذات مرجعية إسلامية”، وهو ما تفسره الهيئة بأنه إقامة نظام سياسي وقانوني يستند إلى الشريعة الإسلامية.
تحذير من “غزو سلمي”
ويرى جهاز حماية الدستور أن الجماعة لا تسعى إلى تغيير النظام بالقوة أو عبر انقلاب مباشر، بل تعتمد استراتيجية طويلة الأمد تقوم على التأثير التدريجي في المجتمع. وقال رئيس الهيئة تورستن فوس إن الهدف يتمثل في إدخال الأفكار والروايات الإسلاموية إلى المجتمع الألماني بصورة تدريجية حتى تصبح مقبولة اجتماعياً. وأضاف أن ما وصفه بـ”الغزو السلمي” يعتمد على النشاط الاجتماعي والمجتمعي وتقديم الجماعة نفسها بوصفها ممثلاً للمسلمين وقضاياهم.
ووفقاً للتقرير، فإن عدد الأشخاص المرتبطين بجماعة الإخوان المسلمين في هامبورغ يقدر بنحو 60 شخصاً، بينما ترى الأجهزة الأمنية أن أعضاء الجماعة يتعمدون الظهور بصورة معتدلة في الفضاء العام بهدف اكتساب الشرعية والتأثير السياسي والمجتمعي على المدى البعيد.