أقر مجلس الوزراء الألماني إصلاحاً أثار الكثير من النقاش والانتقادات يتعلق بأجهزة الاستخبارات. إذ من المقرر منح صلاحيات أوسع لكل من المكتب الاتحادي لحماية الدستور (BfV)، المسؤول عن الاستخبارات الداخلية، وجهاز الاستخبارات الاتحادية (BND)، المعني بالاستخبارات الخارجية؛ نتيجة تصاعد التهديدات المتمثلة في أعمال التخريب والتجسس. ولن تقتصر مهام هذه الأجهزة مستقبلاً على جمع المعلومات وتحليلها فحسب، بل سيُسمح لها أيضاً بالتدخل.
على سبيل المثال، سيُتاح للمكتب الاتحادي لحماية الدستور اختراق الأنظمة الحاسوبية للمهاجمين، وتعطيلها، وشن هجمات مضادة، فضلاً عن تخريب أسلحة ومتفجرات تابعة للإرهابيين. كما سيُسمح لجهاز الاستخبارات الخارجية (BND) مستقبلاً بدرء المخاطر داخل البلاد بهدف إضعاف المهاجمين.
“لا أريد شرطة سرية في ألمانيا”
من جانبه، انتقد حزب الخضر هذه الخطوة، محذراً من أن الأجهزة التي ستصبح أكثر نفوذاً لن تخضع لرقابة كافية، ورأى أن الفصل الصارم بين أجهزة الاستخبارات والشرطة بات في خطر. وفي هذا السياق، قال خبير الشؤون الداخلية في الحزب، كونستانتين فون نوتس، في تصريح لبرنامج “مورغن ماغازين” (Morgenmagazin): “يحاول دوبريندت من خلال هذا الإصلاح طمس هذا الفصل. في المستقبل، سيتمكن العملاء من اتخاذ إجراءات ضد المواطنين أيضاً – دون أن يتم ذلك بشفافية أو أن يكون قابلاً للمراجعة القانونية كما هو الحال مع الشرطة”.
كما واجه المشروع انتقادات حادة من الحزب الديمقراطي الحر (FDP)، إذ اتهم رئيس الحزب، فولفغانغ كوبيكي، وزير الداخلية الاتحادي ألكسندر دوبريندت (عن الحزب الاجتماعي المسيحي CSU) بارتكاب “كسر تاريخي للمحرمات”. وأكد كوبيكي أن الفصل الصارم بين المخابرات والشرطة يستند إلى أسباب وجيهة وتاريخية، مصرحاً لصحيفة “أوغسبورغر ألغماينه” (Augsburger Allgemeine): “لا أريد شرطة سرية في ألمانيا. أطالب برقابة قضائية كاملة على أي تدخلات في الحقوق الأساسية، وبدولة تدرك أن الحرية لا يُدافع عنها من خلال تقييدها”.
يُذكر أن مبدأ الفصل بين الأجهزة يُعد درساً مستفاداً من الحقبة النازية؛ ففي ذلك الوقت، شنت ما عُرف بـ “شرطة الدولة السرية” (الغيستابو)، مستغلة صلاحياتها الواسعة، حملات قمع وحشية ضد المعارضين السياسيين للنازيين، واليهود، وفئات أخرى.
حزب اليسار يصف الخطط بأنها “تجاهل للتاريخ وانعدام للمسؤولية”
بدوره، انتقد حزب اليسار هذا المشروع. وقالت خبيرة الشؤون الداخلية في الحزب، كلارا بونغر، إن دوبريندت يُلغي من خلال إصلاحه “مبدأ الفصل التاريخي بين الشرطة والمخابرات”، مضيفة: “من يمنح أجهزة الاستخبارات حقوق تدخل عملياتي، وصلاحيات تخريب، وعمليات قرصنة مضادة ترعاها الدولة، فإنه يخطط لإنشاء شرطة سرية ألمانية جديدة”. ووصفت بونغر الخطوة بأنها تتسم بـ “تجاهل للتاريخ وانعدام للمسؤولية”.
وفي السياق ذاته، انتقد المتحدث باسم السياسة الدفاعية لكتلة اليسار في البرلمان الألماني، أولريش تودن، غياب مقومات سيادة القانون. وقال: “ما ينقص تماماً هو الرقابة – سواء الرقابة البرلمانية أو رقابة مفوض حماية البيانات”، مشيراً إلى أن ذلك يفتح الباب أمام تدخلات في الحياة الخاصة للمواطنين، مثل عمليات التجسس.
أما حزب “البديل من أجل ألمانيا” (AfD)، فيرى أن الحقوق الشخصية للمواطنين معرضة للخطر أيضاً، ويرفض خطط الإصلاح برمتها.
الحزب المسيحي الديمقراطي يشير إلى تصاعد التهديدات
على الجانب الآخر، أقر رئيس لجنة الرقابة البرلمانية، مارك هنريتشمان (عن الحزب المسيحي الديمقراطي CDU)، بأن مبدأ الفصل قد أُقر بعد الحرب العالمية الثانية “لأسباب تاريخية وجيهة”، وأنه تم حصر دور أجهزة الاستخبارات في جمع المعلومات. لكنه استدرك في تصريح لوكالة الأنباء الفرنسية (AFP) بأن الوضع الحالي لم يعد يسمح بذلك. وأوضح أنه لمواجهة التهديدات الحادة، بدءاً من حملات التضليل ووصولاً إلى الهجمات السيبرانية وعمليات التخريب، يجب أن تكون الأجهزة قادرة على الاستجابة بسرعة وبشكل مستقل.
وأشار دوبريندت كذلك إلى تصاعد المخاطر، قائلاً لصحيفة “بيلد” (Bild): “إن حالة التهديد الهجين، ومحاولات زعزعة الاستقرار عبر التخريب والتجسس والهجمات السيبرانية والعمليات السرية للقوى الأجنبية، تتطلب استجابة جديدة”. وأضاف أن الإصلاح يجعل “من وكالات استخباراتنا أجهزة مخابرات حقيقية”، معتبراً أنه حان الوقت لتعزيز التنافسية والوقوف على قدم المساواة مع الأجهزة الشريكة حول العالم.
كما ترى وزيرة شؤون المستشارية، نينا فاركن (CDU)، حاجة ماسة للتحرك، وقالت لصحيفة “راينيشه بوست” (Rheinische Post): “لن نقف مكتوفي الأيدي بينما تتزايد محاولات بسط النفوذ والتخريب والتهديدات ضد الركائز الأساسية لدستورنا ومجتمعنا الحر. فقط من خلال منح مزيد من الصلاحيات وتطبيق تدابير تواكب العصر، يمكن لأجهزتنا التصدي لهذه الهجمات الهجينة بشكل موجه”.
وكالة استخبارات أم جهاز مخابرات سري؟
في الاستخدام اللغوي العام، غالباً ما يُستخدم مصطلحا “وكالة الاستخبارات” (Nachrichtendienst) و”جهاز المخابرات السري” (Geheimdienst) كمرادفين، رغم وجود اختلافات جوهرية بينهما.
في ألمانيا، لا توجد حتى الآن أجهزة مخابرات سرية ذات طابع عملياتي مفتوح، بل توجد ثلاث وكالات استخبارات رئيسية:
المكتب الاتحادي لحماية الدستور (BfV) (وكالة الاستخبارات الداخلية) إلى جانب السلطات الإقليمية التابعة للولايات.
وكالة الاستخبارات الخارجية (BND).
المكتب الاتحادي للاستخبارات العسكرية (BAMAD).
يُسمح لوكالة الاستخبارات بجمع المعلومات فقط، ويمكنها العمل سراً لتحقيق ذلك. وعلى عكس جهاز المخابرات السري، تخضع هذه الوكالة لأشكال متعددة من الرقابة القانونية والبرلمانية، ولا تتمتع بصلاحيات تنفيذية، أي لا يحق لها – على سبيل المثال – إلقاء القبض على الأشخاص.
في المقابل، لا يقتصر دور جهاز المخابرات السري على جمع المعلومات سراً فحسب، بل يُسمح له أيضاً بتنفيذ عمليات سرية؛ كالتدخلات شبه العسكرية أو الدعاية الخارجية. كما قد يشمل ذلك تقديم دعم مالي سري لأحزاب أو مرشحين أجانب.
المصدر: Tagesschau