بعد سنوات من ارتكاب الانتهاكات الواسعة في سوريا، لا تزال ملاحقة المتهمين بجرائم الحرب مستمرة أمام محاكم داخلية ودولية، وتبرز ألمانيا في مقدمة الدول التي حاكمت متهمين بارتكاب جرائم خلال النزاع السوري، مستندة إلى مبدأ الولاية القضائية العالمية. وفي أحدث هذه المحاكمات، أيدت المحكمة الاتحادية العليا في ألمانيا الحكم الصادر بالسجن المؤبد بحق السوري عمار أ.، المدان بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في سوريا، ليصبح الحكم نهائياً، في خطوة اعتبرها ناجون من انتهاكات النظام السوري تأكيداً على أن مرتكبي الانتهاكات الجسيمة وجرائم الحرب يمكن ملاحقتهم حتى بعد سنوات من وقوعها.
ووفقاً للقسم القانوني في شبكة ARD، يأتي القرار في إطار سلسلة من المحاكمات التي تشهدها ألمانيا استناداً إلى مبدأ الولاية القضائية العالمية، الذي يتيح ملاحقة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية بغض النظر عن مكان ارتكابها أو جنسية الضحايا والجناة.
جرائم في بصرى الشام
وكانت المحكمة الإقليمية العليا في شتوتغارت قد أصدرت في صيف عام 2025 حكماً بالسجن المؤبد بحق عمار أ.، بعد إدانته بصفته قائداً في ميليشيا قاتلت إلى جانب نظام الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد.
وخلصت المحكمة إلى أن الميليشيا التي كان يقودها ارتكبت انتهاكات واسعة في مدينة بصرى الشام بمحافظة درعا، شملت قتل مدنيين وتعذيبهم وتهجير سكان من المسلمين السنة بهدف إجبارهم على مغادرة المدينة.
شهادة ناجٍ من التعذيب
ومن بين ضحايا تلك الانتهاكات محمد العيسى، الذي أكد أن عمار أ. كان معروفاً في بصرى الشام بقيادته ميليشيا موالية للنظام، وأن السكان كانوا يخشونه بسبب ما ارتبط باسمه من أعمال عنف.
وقال العيسى إن عناصر الميليشيا اقتحموا منزله عام 2013، واعتدوا عليه وعلى والده وشقيقه بالضرب والإهانة، قبل أن تقوم المجموعة المسلحة باختطافه وتسليمه إلى جهاز المخابرات العسكرية السورية. وأضاف أن مجرد الوصول إلى سجون النظام كان يعني بالنسبة لكثيرين الموت، موضحاً أنه عاش خوفاً دائماً من ألا يخرج حياً، قبل أن ينجو بعد تعرضه للتعذيب، ولا تزال آثار الانتهاكات بادية على جسده حتى اليوم.
الحكم أصبح نهائياً
وبقرار المحكمة الاتحادية العليا في كارلسروه، أصبح الحكم الصادر بحق عمار أ. نهائياً وباتاً، بعد رفض الطعون المقدمة ضده. وأُدين المتهم بارتكاب عدة جرائم شملت تعذيب مدنيين وقتلهم وتهجيرهم قسراً خلال العمليات التي نفذتها الميليشيا في بصرى الشام.
الولاية القضائية العالمية
تعد هذه القضية امتداداً للمحاكمات التي بدأتها ألمانيا في السنوات الأخيرة بحق متهمين بارتكاب جرائم في سوريا، إذ شهدت مدينة كوبلنز عام 2020 أول محاكمة في العالم تناولت جرائم التعذيب التي ارتكبها النظام السوري. وتستند هذه المحاكمات إلى مبدأ الولاية القضائية العالمية، الذي يمنح القضاء الألماني صلاحية ملاحقة مرتكبي أخطر الجرائم الدولية حتى وإن ارتُكبت خارج الأراضي الألمانية.
“لا سلام من دون عدالة”
ويرى المحامي السوري أنور البني، مدير “المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية” في برلين، أن محاسبة المسؤولين عن جرائم النظام السوري تمثل شرطاً أساسياً لتحقيق السلام في البلاد. وقال إن “لا سلام من دون عدالة، فالعدالة هي الأساس لإعادة بناء سوريا”، مشيراً إلى أن المركز يعمل على جمع الأدلة والوثائق لدعم ملاحقة المسؤولين عن الانتهاكات أمام المحاكم.
رسالة تتجاوز ألمانيا
ووصف محمد العيسى الحكم بأنه محطة مفصلية في مسيرته، مؤكداً أن حصوله على العدالة في ألمانيا عزز شعوره بالانتماء إلى البلد الذي استقبله ومنحه فرصة الدراسة والعمل.
وأضاف أن الحكم يحمل رسالة تتجاوز حدود ألمانيا، مفادها أن العدالة لا ترتبط بجغرافيا معينة، وأن جرائم الحرب لا تسقط بمرور الزمن، مُعرباً عن أمله في أن تشهد سوريا مستقبلاً مساراً قضائياً يحاسب المسؤولين عن الانتهاكات التي ارتُكبت خلال سنوات النزاع.