تراجعت أعداد المواليد في ألمانيا بشكل متواصل، بعدما سجل معدل الإنجاب في البلاد خلال العام الماضي أدنى مستوى له منذ عام 1997. وبلغ متوسط عدد الأطفال لكل امرأة 1.32 طفلاً فقط، في استمرار للانخفاض الذي بدأ منذ عام 2022، ما يثير مخاوف بشأن التداعيات المستقبلية على المجتمع، ولا سيما على دور الحضانة والمدارس وسوق العمل.
شيخوخة السكان وحدها لا تفسر تراجع المواليد
من جهتها ترى كاتارينا شبيس، مديرة المعهد الاتحادي لأبحاث السكان (BiB)، أن هذا التطور لم يكن مفاجئاً، مشيرة إلى أن أحد أسبابه الرئيسية يعود إلى التغير الديموغرافي في ألمانيا، حيث يتقدم المجتمع في العمر ويتراجع عدد الأشخاص في سن تكوين الأسرة.
ووفق بيانات مكتب الإحصاء الاتحادي، فإن نصف سكان ألمانيا تتجاوز أعمارهم 45 عاماً، فيما يبلغ عمر شخص واحد من كل خمسة أشخاص أكثر من 66 عاماً. لكن الخبراء يؤكدون أن شيخوخة المجتمع وحدها لا تفسر الانخفاض المتواصل في أعداد المواليد.
القلق من المستقبل يؤجل قرارات الإنجاب
تقول شبيس إن عوامل عدة تقف خلف تراجع معدلات الإنجاب، من بينها الحروب، والضغوط الاقتصادية، وارتفاع التضخم، وحالة عدم اليقين التي يعيشها كثير من الناس. وأضافت أن هذه الظروف تدفع عدداً من الأشخاص إلى تأجيل خططهم لتكوين أسرة أو التخلي عنها بشكل كامل، موضحة أن “الكثير من الناس يشعرون بعدم اليقين والقلق بشأن مستقبلهم”.
وتشير دراسات أجراها المعهد الاتحادي لأبحاث السكان إلى وجود فجوة بين رغبات الألمان وعدد الأطفال الذين يولدون فعلياً، إذ يرغب كثيرون في إنجاب عدد أكبر من الأطفال، لكن هذه الرغبات لا تتحقق دائماً. وترى شبيس أن القضية لا ترتبط فقط بعدد الولادات، بل أيضاً بالعوامل التي تحول دون تحقيق رغبات الإنجاب الموجودة أصلاً.
مطالب بدعم أكبر للأسر وتسهيلات للوالدين
ترى الرابطة الاتحادية لأولياء أمور الأطفال في دور الحضانة (bevki) أن ظروف رعاية الأطفال تشكل عاملًا أساسياً في قرارات الأسر بشأن الإنجاب. وتطالب الرابطة بجعل رعاية الأطفال في دور الحضانة مجانية على مستوى ألمانيا، إضافة إلى ضمان تمويل طويل الأمد لهذا القطاع، بهدف تخفيف الأعباء المالية على الأسر وتحسين التوازن بين الحياة المهنية والأسرية.
وتؤكد الرابطة أن توفير أماكن كافية لرعاية الأطفال يمثل عنصرًا حاسماً لمساعدة الوالدين على الجمع بين العمل والأسرة. إذ تختلف رسوم دور الحضانة حالياً بين الولايات الألمانية، وتحدد كل ولاية نظامها الخاص، بينما تتولى البلديات في بعض المناطق تحديد قيمة الرسوم. وفي ولاية شمال الراين-وستفاليا، قد تصل الرسوم الشهرية للأسر ذات الدخل المرتفع إلى نحو 1000 يورو لكل طفل، بحسب مكان السكن ومستوى الدخل.
تغييرات مرتقبة على بدل الوالدين
وتستعد الأسر الألمانية أيضاً لتغييرات في نظام بدل الوالدين، إذ تنص خطط الحكومة على تقليص مدة صرف البدل من 14 شهراً إلى 12 شهراً مستقبلاً. في المقابل، سترتفع قيمة الحد الأدنى للبدل من 300 إلى 330 يورو، بينما يرتفع الحد الأقصى من 1800 إلى 1900 يورو. وللحصول على كامل الاستحقاق، سيتعين على الآباء مستقبلاً أخذ إجازة والدية لمدة لا تقل عن ثلاثة أشهر.
انخفاض المواليد يهدد مستقبل الحضانات والمدارس
يحذر خبراء من أن استمرار انخفاض معدلات الولادة سيؤدي خلال السنوات المقبلة إلى تغيرات واضحة في قطاع التعليم والرعاية. وتقول مديرة المعهد الاتحادي لأبحاث السكان إن المجتمع الألماني سيبدأ قريباً في الشعور بالآثار، خصوصاً من خلال تراجع الطلب على أماكن دور الحضانة، ثم لاحقاً على المقاعد المدرسية. لكن رابطة أولياء الأمور تحذر من اتخاذ قرارات متسرعة بسبب انخفاض أعداد الأطفال. وتشير إلى أن بعض دور الحضانة بدأت بالفعل في الإغلاق بشكل محدود، كما تراجعت بعض خدمات رعاية الأطفال، وفقد القطاع عدداً من العاملين المتخصصين.
وتحذر الرابطة من أن خسارة الكوادر المؤهلة قد تتحول إلى مشكلة طويلة الأمد، إذ إن إعادة جذب هؤلاء العاملين لاحقاً ستكون عملية صعبة ومكلفة. ويرى مراقبون أن التحدي الذي تواجهه ألمانيا لا يتعلق فقط بانخفاض عدد الأطفال، بل بقدرة الدولة على توفير الظروف التي تشجع الأسر على الإنجاب وتحافظ في الوقت نفسه على البنية التحتية اللازمة لرعاية الأجيال القادمة.