هل يمكن لحزبٍ يرفع شعارات مناهضة للهجرة أن يجد لنفسه مكاناً داخل مجلسٍ أُنشئ أساساً للدفاع عن مصالح المهاجرين؟ يبدو السؤال للوهلة الأولى متناقضاً، إلا أنه يعكس نقاشاً سياسياً محتدماً تشهده مدينة لانغن التابعة لولاية هيسن. ففي الوقت الذي يسعى فيه مجلس الأجانب (Ausländerbeirat) في لانغن إلى تمثيل الأشخاص ذوي الخلفية المهاجرة وتعزيز مشاركتهم في الحياة العامة وتقديم مبادرات ومقترحات في مجالات متعددة مثل الاندماج والتعليم والمشاركة المجتمعية، يبرز تساؤل حول احتمالية مشاركة حزب “البديل من أجل ألمانيا” (AfD) في المجلس، الذي يطرح باستمرار مواقف ناقدة للهجرة.
هذا ما تناولته الصحفية الأوكرانية وعضوة في مجلس الأجانب (Ausländerbeirat) في لانغن، فيكتوريا تشيرنيكوفا-بيريزديتسكا، التي شاركت في انتخابات مجلس الأجانب التي جرت في 15 آذار/مارس 2026، حيث تم انتخابها عضوة في المجلس. وعُقدت الجلسة التأسيسية في 22 نيسان/أبريل، وتم خلالها انتخاب رئيس المجلس والهيئة الإدارية، حيث انتُخبت هي أيضاً ضمن الهيئة الإدارية إلى جانب ثلاثة أعضاء آخرين.
من الصحافة للعمل السياسي المحلي
تقول فيكتوريا تشيرنيكوفا-بيريزديتسكا إنها قررت الترشح لعدة أسباب. فبوصفها صحفية، رغبت في فهم كيفية عمل الإدارة المحلية في ألمانيا وكيفية اتخاذ القرارات السياسية على المستوى المحلي. وتشير إلى أن مجلس الأجانب، رغم كونه هيئة استشارية يعمل أعضاؤه بشكل تطوعي، فإنه يتواصل بشكل مباشر مع رئيس البلدية والإدارة المحلية، كما يشارك في جلسات مجلس المدينة ويمثل مصالح الأشخاص ذوي الخلفية المهاجرة.
كما تعمل منذ ثلاث سنوات كصحفية في منصة “أمل نيوز”، حيث تتابع قضايا الاندماج والهجرة واللجوء. وتوضح أنها بصفتها مهاجرة، تدرك التحديات التي يواجهها الأشخاص ذوو الخلفية المهاجرة في حياتهم اليومية، وتعرف أين تحتاج هذه الفئة إلى الدعم، وما هي برامج الاندماج التي تنجح أو لا تحقق نتائج كافية.
صوتاً للجالية الأوكرانية
تشير تشيرنيكوفا-بيريزديتسكا إلى أن عملها في المجلس يمثل أيضاً فرصة لتمثيل الجالية الأوكرانية. فقبل عام 2022، كان عدد الأوكرانيين في ألمانيا وفي مدينة لانغن محدوداً، إلا أن الأوضاع تغيرت بعد الحرب الروسية على أوكرانيا.
وتوضح أن ألمانيا استقبلت نحو 1.26 مليون لاجئ أوكراني، وهو أكبر عدد في أوروبا، ما أدى إلى نشوء مجتمع أوكراني كبير داخل البلاد. وتعتبر أن من مسؤوليتها تمثيل هذه الجالية وإيصال صوتها، خاصة أن غالبية اللاجئين الأوكرانيين هم من النساء والأطفال الذين يواجهون تحديات يومية متعددة.
مهام مجلس الأجانب
تصف تشيرنيكوفا-بيريزديتسكا مجلس الأجانب بأنه يمثل حلقة وصل بين المجتمعات المهاجرة والسلطات المحلية. ويعمل المجلس على ضمان تمثيل مصالح المهاجرين في القرارات السياسية، إضافة إلى تقديم مبادرات في مجالات الاندماج والتعليم والمشاركة الاجتماعية.
تشغل تشيرنيكوفا-بيريزديتسكا عضوية الهيئة الإدارية في المجلس، وقد تولت قسم العلاقات العامة، إذ تتواصل مع وسائل الإعلام المحلية وإطلاع مختلف المجتمعات المهاجرة على عمل المجلس. وتشير إلى أن العديد من مجالس الأجانب تنظم فعاليات ثقافية ومهرجانات متعددة الثقافات، إلا أنها تركز أيضاً على قضايا عملية، خصوصاً العمل والتدريب والتأهيل المهني.
وتضيف أن مدينة لانغن تضم عدداً كبيراً من الشركات والمؤسسات التعليمية، ما يتيح فرصاً لبناء روابط بين هذه المؤسسات والمجتمعات المهاجرة بهدف تسهيل الوصول إلى العمل أو التدريب أو التأهيل.
أبرز القضايا التي تواجه المهاجرين
تقول إن العمل والتدريب وتعلم اللغة الألمانية من أهم القضايا التي تواجه الجالية الأوكرانية في لانغن. فبينما تمكن بعض الأشخاص من الحصول على عمل، لا يزال آخرون يبحثون عن فرص مناسبة أو يسعون إلى تطوير مهاراتهم المهنية.
كما تشير إلى أن البيروقراطية الألمانية تشكل تحدياً كبيراً، حيث يحتاج العديد من الأشخاص إلى المساعدة في التعامل مع الإجراءات الرسمية. أما الأطفال، فيواجهون صعوبات مرتبطة بالحواجز اللغوية، إضافة إلى تحديات في المدرسة مثل التهميش أو التنمر، وهي قضايا لا تقتصر على الجالية الأوكرانية فقط.
الجدل حول حزب البديل من أجل ألمانيا
تعتبر قضية احتمال انضمام عضو من حزب “البديل من أجل ألمانيا” إلى مجلس الأجانب مسألة حساسة. ففي الانتخابات المحلية التي جرت في 15 آذار/مارس 2026، حصل الحزب على ستة مقاعد في مجلس المدينة، كما ترشح أحد أعضائه لعضوية مجلس الأجانب في لانغن، وقد ينضم في حال استقالة إحدى العضوات، وهو ما تم الإعلان عنه مسبقاً.
وترى تشيرنيكوفا-بيريزديتسكا أن هذا الأمر يمثل تناقضاً، مشيرة إلى أن الحزب يطرح مواقف ناقدة للهجرة، ويستخدم مفهوم “إعادة الترحيل” في الخطاب السياسي. ومن الأمثلة على ذلك فعالية إحياء ذكرى 17 حزيران/يونيو في مدينة لانغن. “شاركنا في هذه المناسبة، وألقى أحد ممثلي مجلس الأجانب كلمة قصيرة. وبعد ذلك، قامت الجهة المحلية التابعة لحزب البديل من أجل ألمانيا بانتقاد هذه الكلمة عبر صفحتها على فيسبوك، ووصفتها بأنها غير مناسبة، وذلك من وجهة نظري دون أي مبررات واضحة أو مفهومة”.
وتضيف أن الحزب، بحسب وجهة نظرها، يستخدم أحياناً أعضاء من ذوي الخلفية المهاجرة للرد على الاتهامات الموجهة إليه، معتبرة ذلك مظهراً شكلياً أكثر منه انفتاحاً حقيقياً.
رغم الخلافات الإيمان بالديمقراطية مستمر
ورغم انتقاداتها، تؤكد تشيرنيكوفا-بيريزديتسكا احترامها الكامل للآليات الديمقراطية. وتقول إنه في حال انضمام ممثل عن حزب البديل إلى مجلس الأجانب، فإن التعامل معه سيتم وفق القواعد الديمقراطية المعمول بها.
ومع ذلك، ترى أن نجاح أي تعاون مستقبلي سيعتمد على وجود قيم وأهداف مشتركة. وعلى الرغم من كل التحديات والتناقضات السياسية، تبقى تشيرنيكوفا-بيريزديتسكا متفائلة، مؤكدة إيمانها بأن الديمقراطية، واحترام الكرامة الإنسانية، والانفتاح على التنوع، ستظل القيم الأساسية التي يقوم عليها المجتمع الألماني في المستقبل.