Skip to main content

لماذا تقلق العائلات العربية من رسائل المدارس في ألمانيا؟

الدكتورة عائشة عمامي. تعمل كمستشارة أسرية ومدربة للتعلم في ألمانيا، بعد أن غيرت عملها كطبيبة عامة منذ عام. Foto: Privat
الدكتورة عائشة عمامي. تعمل كمستشارة أسرية ومدربة للتعلم في ألمانيا، بعد أن غيرت عملها كطبيبة عامة منذ عام. Foto: Privat

في كثير من البيوت العربية في ألمانيا، لا يتطلب الأمر أكثر من رسالة واحدة من المدرسة حتى يتغيّر مزاج البيت بالكامل. بريد إلكتروني أو ورقة مطبوعة كفيلان بإطلاق سلسلة من الأسئلة: هل هناك مشكلة؟ هل أخطأ الطفل؟ وكيف يمكن الرد بلغة ألمانية دقيقة دون سوء فهم؟

بالنسبة للدكتورة عائشة عمامي، الطبيبة التونسية السابقة التي غادرت الطب العام في ألمانيا واتجهت إلى الإرشاد الأسري والتدريب على التعلم، فإن هذا المشهد اليومي يكشف جانباً أعمق من علاقة العائلات المهاجرة بالمدرسة. ليس حاجز اللغة هو العقبة الأساسية، كما تقول، بل الطريقة التي يُفهم بها التواصل نفسه. فحتى لدى بعض الأسر التي تتقن الألمانية، يظل هناك قلق خفي: هل فُهمت الرسالة كما يجب؟ وهل أستطيع التعبير عن موقفي دون خطأ؟

من الطب إلى الإرشاد الأسري

لم يكن انتقال عمامي من الطب إلى العمل التربوي في مدينة نورنبيرغ خطوة مفاجئة. فبعد أكثر من اثني عشر عاماً في الممارسة الطبية بألمانيا، وبالتوازي مع تجربتها كأم لطفلين، بدأت تلاحظ أسئلة تتجاوز حدود العيادة. التجربة التي عاشتها في مدرسة طفلها كانت، كما تصف، نقطة تحول. إذ رأت بشكل مباشر حجم التوتر وسوء الفهم الذي تعيشه العديد من العائلات العربية مع النظام التعليمي. تلك الملاحظة دفعتها لاحقاً إلى دراسة الإرشاد الأسري والتعلم في أكاديمية سويسرية، لتجمع بين الخبرة المهنية والفهم النفسي للعلاقات داخل الأسرة والمدرسة، ولمساعدة الأسر العربية على تجاوز صعوبات التواصل مع المدارس الألمانية.

التوقعات المسبقة وحدود اللغة

تؤكد عمامي أن مشكلة العائلات المهاجرة والعربية بالأخص، لا تقتصر على حاجز اللغة، بل تبدأ قبل ذلك من حجم التوقعات التي تحملها كثير من العائلات تجاه مستقبل أبنائها. وتقول: “كعائلات عربية لدينا طموحات كبيرة، بل إن دراسات عدة تشير إلى أن الأسر المهاجرة غالباً ما تكون توقعاتها من أبنائها أعلى من توقعات الأسر المحلية، لأننا نرى في التعليم والنجاح المدرسي الطريق الأساسي إلى مستقبل أفضل واندماج أقوى وثقة أكبر بالنفس”. لكن هذه التطلعات، بحسب عمامي، تصطدم بواقع مختلف، في مقدّمته اللغة وطبيعة التواصل مع المدرسة.

فحتى الآباء والأمهات الذين يتقنون الألمانية يراودهم شعور دائم بالشك: هل أوصلت وجهة نظري كما يجب؟ وتوضح أن أسلوب التواصل في المدارس الألمانية، القائم على الرسائل المفصلة والاجتماعات الدورية، قد يزيد من هذا القلق. فالأب أو الأم يقرأان رسالة طويلة من المدرسة، ثم ينشغلان بأسئلة مثل: ماذا يُنتظر مني؟ وكيف ينبغي أن أرد؟ وترى عمامي أن هذا الخوف يدفع بعض العائلات إلى التعامل مع أي تواصل من المدرسة بوصفه مؤشراً على وجود مشكلة أو اتهام ضمني، بينما يفترض أن تقوم العلاقة بين الأسرة والمعلمين على الشراكة والبحث عن الحلول، لا على الدفاع المتبادل أو تبادل اللوم.

ضغط النجاح ومعيار العلامات

ومن أكثر الظواهر التي تقلق عمامي، تحميل الأطفال أحلام وآمال أسرهم، ولا سيما لدى بعض العائلات التي عاشت تجارب لجوء أو صعوبات في الاندماج. فبرأيها، يشعر الطفل أحياناً بأنه مطالب بإثبات نجاح العائلة كلها، ما يحول الدراسة إلى مصدر ضغط وخوف بدل أن تكون مساحة للتعلم والاكتشاف. وتؤكد أن الطفل “ليس مسؤولاً عن تعويض ما لم يحققه والداه، ولا عن إثبات نجاح أسرته أمام المجتمع”.

وترتبط هذه الضغوط، بحسب عمامي، بنظرة شائعة تعتبر العلامات الدراسية المعيار الوحيد للنجاح، وتتعامل مع الانتقال بعد الصف الرابع وكأنه يحدد مستقبل الطفل بشكل نهائي. لكنها تشير إلى أن النظام التعليمي الألماني أكثر مرونة، إذ يتيح مسارات متعددة وإمكانية الانتقال بينها لاحقاً، كما أنه يركز على تطور الطالب وقدرته على التفكير والتحليل، وليس على الدرجات وحدها. وترى أن مقارنة الأطفال ببعضهم أو اختزال نجاحهم في رقم على الشهادة يفرض عليهم عبئاً نفسياً كبيراً، بينما يكمن الدور الحقيقي للأهل في مرافقة أبنائهم وفهم طبيعة النظام التعليمي، لا في تحميلهم مخاوفهم وتوقعاتهم.

هل يجب الاختيار بين نموذجين تربويين؟

من أكثر الأسئلة التي تتكرر في جلسات الإرشاد، بحسب عمامي، هو كيف يمكن للعائلة العربية أن تحافظ على هويتها وقيمها، وفي الوقت نفسه تساعد أبناءها على الاندماج في المجتمع الألماني. لكنها ترى أن السؤال نفسه ينطلق من افتراض خاطئ، إذ لا تعتقد أن الأسرة مطالبة بالاختيار بين نموذجين متعارضين. وتوضح أن التربية في كثير من المجتمعات العربية تقوم على مركزية الأسرة، والروابط العائلية، واحترام الوالدين، والشعور بالانتماء إلى الجماعة، بينما يركز النموذج الألماني بدرجة أكبر على استقلالية الطفل، وحقه في التعبير عن رأيه، والمشاركة في اتخاذ القرار منذ سن مبكرة.

وترى عمامي أن التحدي الحقيقي لا يكمن في المفاضلة بين هذين النموذجين، بل في الاستفادة من نقاط القوة في كل منهما. فبإمكان الأسرة أن تحافظ على الدفء الأسري والقيم التي تؤمن بها، وفي الوقت نفسه تمنح أبناءها مساحة للحوار وإبداء الرأي وتحمل المسؤولية، ليكبروا وهم مرتبطون بجذورهم وقادرون على التفاعل بثقة مع البيئة التي يعيشون فيها.

ما الذي يبقى بعد سنوات؟

في نهاية حديثها، تختصر عمامي فلسفتها التربوية بجملة واحدة ترى أنها تلخص جوهر عملها مع العائلات: “بعد ثلاثين أو أربعين عاماً، لن يتذكر طفلك كم كانت علامته في الرياضيات، بل سيتذكر فقط مقدار الدفء والأمان الذي شعر به معك”. وتضيف أن كثيراً من الآباء ينشغلون بالنتائج المدرسية اليومية، بينما يغفلون عن الأثر التراكمي للعلاقة داخل البيت، والذي يرافق الطفل طوال حياته.

وتوضح أن الشعور بالأمان العاطفي داخل الأسرة ليس رفاهية تربوية، بل عامل أساسي في بناء شخصية الطفل، لأنه يشكل أساس الثقة بالنفس والقدرة على التعلم والتكيف مع الضغوط. وتؤكد أن الأطفال الذين يشعرون بأنهم مفهومون ومقبولون داخل أسرهم يكونون أكثر قدرة على مواجهة الفشل، وأقل خوفاً من التجربة والخطأ، وأكثر استعداداً للاستقلال لاحقاً.

أمل باللغة الألمانية

يلا