Skip to main content

الجار قبل الدار حين يتحول الاسم مجرد عنوان على صندوق البريد

Ralf hilft leise, Tür für Tür, Nachbar für Nachbar
Foto: Samah Al-Shagdari
Ralf hilft leise, Tür für Tür, Nachbar für Nachbar Foto: Samah Al-Shagdari

«الجار قبل الدار»… مثلٌ عربي قديم سمعته منذ طفولتي، لكنه ظل بالنسبة إليّ مجرد عبارة تتردد أكثر مما أفهم معناها. أتذكر أن والدي، الذي كان يعمل مهندسًا معماريًا، كان كثير التنقل بحكم طبيعة عمله. وفي إحدى المرات، انتهى من بناء منزل جديد، بدا لي أجمل من أي بيت سكنّاه من قبل. كنت متحمسة للانتقال إليه، لكن والدتي رفضت ذلك رفضًا قاطعًا.

لم يكن اعتراضها على المنزل، بل على الجيران. يومها، لم أفهم موقفها. كنت طفلة أظن أن البيت هو كل شيء، وأن ما يحدث خلف أبواب الآخرين لا علاقة لنا به. لماذا نترك منزلًا جميلًا بسبب الجيران؟ بدا لي الأمر غير منطقي، لكن والدتي كانت تردد بثقة: «الجار قبل الدار».

احتجت إلى أكثر من ثلاثين عامًا، وإلى تجربة عشتها في ألمانيا، حتى أفهم تمامًا ما كانت تعنيه. لم تكن والدتي تعرف أن علماء الاجتماع سيطلقون على هذه الفكرة اسم «رأس المال الاجتماعي»، ولم تكن قد قرأت يومًا لروبرت بوتنام أو غيره من الباحثين. لكنها كانت تدرك بفطرتها أن الإنسان لا يختار جدران البيت فقط، بل يختار أيضًا البيئة الإنسانية التي سيعيش فيها. وما كانت تختصره في ثلاث كلمات، «الجار قبل الدار»، احتاج علم الاجتماع إلى مئات الدراسات ليشرحه.

المدن الحديثة… ماذا تغيّر؟

لا شك أن المدن الحديثة منحت الإنسان كثيرًا من المكاسب؛ خدمات أفضل، ومؤسسات أكثر كفاءة، ومساحة أوسع للخصوصية والاستقلالية. لكنها جاءت أيضًا بإيقاع حياة أسرع، وضغط عمل أكبر، وعلاقات يومية أقل حضورًا.

في ألمانيا، كما في كثير من المجتمعات الأوروبية، أصبحت الخصوصية جزءًا أصيلًا من الحياة اليومية، ولم تعد الجيرة تُقاس بكثرة الزيارات أو طول الجلسات. وهذا ليس عيبًا في حد ذاته، لكنه يطرح سؤالًا يتجاوز ألمانيا إلى كثير من المدن الحديثة:

كيف نحافظ على الثقة والتضامن الإنساني في مجتمع تتسارع فيه الحياة، وتتراجع فيه المساحات التي تجمع الناس بصورة تلقائية؟

وهذا السؤال بالذات هو ما جعلني أعود، بعد سنوات، إلى ما عرفته والدتي بالتجربة قبل أن يفسره أحد. فما أدركته بفطرتها، حاول عالم الاجتماع الأمريكي روبرت بوتنام تفسيره حين تحدث عن رأس المال الاجتماعي؛ ذلك الرصيد غير المرئي من الثقة والعلاقات والتعاون، الذي يجعل المجتمع أكثر قدرة على التماسك. ويرى أن المجتمعات، حتى في ظل التنوع والهجرة، تستطيع بناء أشكال جديدة من التضامن إذا استثمرت في الروابط المشتركة، وفي ما يجمع الناس أكثر مما يفرقهم. وربما هنا تحديدًا تبدأ قيمة الجيرة، لا كفكرة نظرية، بل كتجربة معاشة.

حين تصبح المساعدة ثقافة

لم أفهم كل ذلك من خلال كتاب، بل من خلال سبع سنوات من الجيرة مع رالف وزوجته ليانا. لم تكن هناك بطولة تستحق التصفيق، بل سلوك يتكرر بهدوء؛ العناية بالحديقة، وإعادة علب المياه الفارغة ووضع غيرها مكانها، وإصلاح ما يمكن إصلاحه في المنزل.

وعندما ارتخى جهاز قياس ضغط الدم عن ذراعي في ساعة متأخرة من الليل، وكان لا بد من إعادة تثبيته حتى يواصل تسجيل القياسات بدقة، حضر رالف لمساعدتي، بينما كانت ليانا تساعدني عند السفر في ساعات الفجر الأولى على رفع الحقيبة ووضعها على الكرسي المتحرك.

لكن الموقف الذي بقي عالقًا في ذاكرتي جاء بعد انتهاء الجيرة رسميًا. فعندما انتقل كل منا إلى منزل جديد، وكانت تنتظرني أعمال كثيرة لم أستطع إنجازها وحدي، جاء رالف من منزله الجديد، رغم انشغاله بانتقاله، وقضى ساعات في إنجاز أعمال أساسية داخل شقتي.

كل موقف من هذه المواقف قد يبدو بسيطًا إذا نظرنا إليه منفردًا، لكن القيمة لم تكن في أي موقف منها وحده، بل في تكرارها حتى أصبحت المساعدة سلوكًا مألوفًا لا ينتظر طلبًا ولا مقابلًا. فالعمل الطيب قد يقوم به أي إنسان مرة واحدة، أما أن يتحول إلى عادة، فهنا تبدأ القيمة الاجتماعية الحقيقية.

المجتمعات لا تُبنى بالمواقف الاستثنائية وحدها، بل بعادات صغيرة تتكرر حتى تصبح جزءًا من ثقافتها. وهنا أدركت أيضًا أن هناك مساحات لا تستطيع أي مؤسسة، مهما بلغت كفاءتها، أن تملأها وحدها. قد توفر الدولة العلاج والخدمات، لكنها لا تستطيع أن تحل محل جار يلاحظ احتياجًا صغيرًا قبل أن يتحول إلى أزمة، أو جارة تفتح بابها في ساعات الفجر لتخفف عن غيرها مشقة يوم طويل.

الجار قبل الدار… من جديد

اليوم، وبعد أكثر من ثلاثين عامًا، أدرك أن والدتي لم تكن تختار منزلًا فقط. كانت تختار البيئة الاجتماعية التي ستنشأ فيها أسرتها.
ولو عاد بي الزمن إلى ذلك البيت الذي رفضت أمي الانتقال إليه وأنا طفلة، لما سألتها كما سألتها يومها: لماذا نترك منزلًا جميلًا؟
بل ربما سأكون أول من يسألها: ومن سيكون جيراننا؟
لأن البيوت يمكن أن نبنيها، ويمكن أن نغيّر عناوينها، لكن الثقة بين الناس لا تُشترى، ولا تُفرض بالقوانين، ولا تصنعها التكنولوجيا. إنها تُبنى بهدوء… بابًا بعد باب، وجارًا بعد جار. ربما لهذا بقي هذا المثل حيًا عبر الأجيال؛ لأنه لا يتحدث عن البيت بقدر ما يتحدث عن الإنسان. فالجدران تحمي أجسادنا، أما الجيران الطيبون فيمنحوننا شعورًا لا تستطيع شراءه أي مدينة، مهما بلغت درجة تطورها.

أمل باللغة الألمانية

يلا