رسم مسح شامل أُجري على مستوى ألمانيا صورة قاتمة لواقع الأطفال اللاجئين، كاشفاً عن عقبات جسيمة تحول دون حصول الكثير منهم على الرعاية الصحية الكافية، والغذاء الصحي، والسكن الملائم، فضلاً عن فرص التعليم والاندماج المجتمعي.
وترى منظمات إغاثية ومنظمات الرعاية الاجتماعية أن الأطفال الذين لجأوا إلى ألمانيا يواجهون تمييزاً وإجحافاً ممنهجين. وفي هذا السياق، استند كل من “الاتحاد العام للرعاية الاجتماعية المتكافئة” (Der Paritätische Gesamtverband) ومنظمة “إنقاذ الطفولة” (Save the Children) إلى استطلاع رأي شمل موظفين في مراكز الاستشارات، ودور رعاية الأطفال (Kitas)، ومراكز إيواء اللاجئين. وأظهرت النتائج أن وجود مواليد جدد بلا رعاية طبية، وأطفال محرومين من الأنشطة الترفيهية، وحوامل يفتقرن للغذاء الصحي، بات واقعاً يومياً تعيشه عائلات لاجئة عديدة.
ووفقاً للاستطلاع، يرى 87% من المتخصصين أن مشاركة الأطفال المجتمعية مقيدة بشكل كبير، في حين اعتبر 74% منهم أن الوصول إلى الرعاية الصحية كان غير كافٍ وقت إجراء المسح. كما أكد أكثر من 70% صعوبة تأمين غذاء كافٍ وصحي للأطفال. وتبين أن الفئات الأكثر تضرراً هم المواليد الجدد، والأطفال ذوو الإعاقة، والمصابون بأمراض نفسية أو مزمنة.
بطاقات الدفع المسبق وتقليص المساعدات تضاعف معاناة الأطفال
أظهرت الدراسة أيضاً أن “بطاقات الدفع الإلكترونية” (Bezahlkarte) باتت تشكل عائقاً حقيقياً في تفاصيل الحياة اليومية للأسر؛ إذ أشار نحو 90% من المتخصصين الذين أدلوا بآرائهم في هذا الشأن إلى تداعيات سلبية للحد من السيولة النقدية على الأطفال. وشملت الصعوبات عجز العائلات عن دفع ثمن المستلزمات المدرسية، أو اشتراكات الأندية، أو المبالغ البسيطة المخصصة للأنشطة الترفيهية، مما يتسبب في عزل الأطفال عن محيطهم وإشعارهم بالدونية والإحراج.
وجاءت إجراءات تقليص المساعدات المالية أو قطعها بالكامل لتزيد الوضع مأساوية؛ إذ أفاد نحو نصف المتخصصين المستطلعين برصدهم حالات حُرمت فيها عائلات لديها أطفال من المساعدات تماماً، ولو في حالات فردية، بينما أكد أكثر من 60% علمهم بحالات خُفضت فيها قيمة المساعدات. ويرى الخبراء أنه حتى في حال استهداف العقوبات المالية للآباء فقط، فإن الضرر يطال الأطفال مباشرة تبعا لتراجع قدرة الأسرة المادية على توفير الغذاء، والكساء، والدواء، مما يدخل تلك الأسر في دوامة الديون، وتراكم متأخرات الإيجار، والتهديد بالتشرد.
أشهر بلا مستحقات بسبب البيروقراطية
وتعزو الدراسة تفاقم الأزمات المعيشية الحادة أيضاً إلى البطء الشديد في المعالجة البيروقراطية لطلبات المساعدات لدى الدوائر الحكومية. فعند تقديم الطلبات للمرة الأولى، أفاد أكثر من 70% من العاملين الاجتماعيين بوجود حالات متكررة أو فردية واجه فيها الأطفال أزمات معيشية حادة بسبب تأخر صرف المستحقات. وتكرر المشهد ذاته بنسبة تقارب 70% عند تجديد المساعدات القائمة.
وتجبر هذه التأخيرات الأسر على الاستدانة، أو الاعتماد على مساعدات المعارف، أو طلب المعونات الغذائية. وتكفي أسابيع قليلة من التأخير لتجعل الأسرة عاجزة عن توفير الطعام، والدواء، أو المستلزمات المدرسية. ونقل أحد المشاركين في الاستطلاع حالة لم يتم فيها الموافقة على صرف مخصصات مولود جديد إلا بعد مرور 11 شهراً على ولادته.
ومن بين الأسباب الرئيسية لهذه العقبات، تبرز الصعوبات المتعلقة باستخراج شهادات الميلاد؛ ففي حال غياب وثائق تثبت هوية الوالدين أو الحاجة للتحقق منها، قد يظل المواليد الجدد لأسابيع أو أشهر دون مخصصات مالية أو تأمين صحي. وتتضاعف الأزمة مع وثائق الإقامة قصيرة الأجل (مثل تعليق الترحيل المؤقت “Duldung”)؛ فبمجرد انتهاء صلاحيتها، تُعلّق أحياناً المساعدات الأساسية ومخصصات الوجبات المدرسية والأنشطة الاجتماعية تلقائياً.
يُشار إلى أن البيانات المتعلقة بالرعاية الصحية تعكس الوضع السائد وقت إجراء المسح في مطلع عام 2026. ومع ذلك، تأمل المنظمات حدوث تحسن ملموس عقب دخول تعديل قانوني جديد حيز التنفيذ منتصف حزيران/ يونيو الماضي، يقضي بحصول القاصرين على رعاية صحية تماثل خدمات التأمين الصحي القانوني، رغم بقاء تحديات قائمة مثل غياب الترجمة الفورية المتخصصة وشح مقاعد العلاج النفسي والأطباء الاختصاصيين.
تمييز يطال السكن والتعليم
لم تقتصر أشكال الحرمان والتهميش على الجانبين الصحي والمالي، بل امتدت لتشمل قطاعي السكن والتعليم والقدرة على التنقل؛ إذ يرى 73% من المشاركين أن الحاصلين على إعانات بموجب “قانون مخصصات طالب اللجوء” يواجهون تمييزاً في قطاع السكن مقارنة بمتلقي المعونات الاجتماعية الأخرى. فالكثير من مراكز الإيواء الجماعية ضيقة، وتفتقر للتجهيزات الأساسية، وغير مهيأة للأطفال. وأكد نحو 62% رفض السلطات -ولو في حالات فردية- السماح للعائلات بالانتقال إلى شقق مستقلة.
وفيما يتعلق بالتنقل، اعتبر نحو ثلثي المتخصصين أن قدرة الأطفال على التنقل غير كافية؛ فالعيش في مراكز إيواء معزولة، مع ضعف شبكات الحافلات وعدم تغطية تكاليف السفر، يعيق تواصل الأطفال مع أصدقائهم ويمنعهم من المشاركة في دروس الدعم المدرسي، والأنشطة الرياضية والترفيهية. ورغم أن مخصصات التعليم والاندماج تصل للعديد من مستحقيها، إلا أنها تستثني شريحة واسعة؛ إذ يرى 43% فقط أن الأطفال يحصلون على دعم تعليمي إضافي كافٍ، مرجعين ذلك إلى عوائق لغوية، وتعقيد المعاملات، ونقص المعلومات، ورفض الطلبات في بعض الأحيان.
مطالبات باستثناء الأطفال من تقليص المساعدات
بدوره وصف المدير التنفيذي لمنظمة “إنقاذ الطفولة”، فلوريان فيستفال، نتائج الدراسة بأنها “فضيحة”، مشيراً إلى أن الأطفال الذين يتلقون مساعدات بموجب قانون مخصصات طالبي اللجوء يحصلون على مبالغ أدنى بكثير من أقرانهم المستفيدين من نظام الضمان الاجتماعي الأساسي. وقال فيستفال: “لا يمكن قبول حرمان الأطفال من أساسيات تتوفر لأقرانهم في ألمانيا لمجرد وضع إقامتهم القانوني”.
وطالب فيستفال، إلى جانب المدير التنفيذي لـ”الاتحاد العام لمنظمات الرعاية الاجتماعية”، يواخيم روك، باستثناء الأسر التي تضم أطفالاً قاصرين من أي تقليص للمساعدات المالية دون قيد أو شرط. كما دعا المسؤولان إلى مراجعة ما إذا كانت المبالغ القياسية الحالية تضمن فعلياً توفير غذاء صحي وملائم للاحتياجات الأساسية. وتشمل مطالب منظمات الرعاية الاجتماعية تيسير إجراءات الموافقة على المساعدات، وتوفير الدعم المالي لخدمات الترجمة الشفوية، وإلغاء بطاقات الدفع المسبق للأسر التي لديها أطفال، وصولاً إلى إلغاء “قانون مخصصات طالبي اللجوء” على المدى الطويل ودمج اللاجئين في نظام الضمان الاجتماعي العادي.
ااستندت دراسة «واقع الطفولة في ظل قوانين اللجوء الخاصة» — وهي دراسة استطلاعية لا تعتمد على عينة ممثلة إحصائياً إلى استطلاع رأي إلكتروني أُجري في شهري كانون الثاني/ يناير وشباط/ فبراير لعام 2026، وشمل 443 متخصصاً من مختلف أنحاء ألمانيا. وقام المشاركون بتقييم أوضاع الأطفال المستفيدين من المساعدات الأساسية بموجب قانون مخصصات طالبي اللجوء بناءً على خبراتهم المهنية والتطوعية. وتشير البيانات إلى أن هذا الملف يمس مصير نحو 100 ألف قاصر على مستوى البلاد.
موقع MiGAZIN الألماني المتخصص في شؤون الهجرة والاندماج.