في مشهد أعاد إلى الواجهة ذاكرة المحاكمات السياسية في ألمانيا، تحولت جلسات محاكمة “Ulm 5” داخل مجمع Stammheim شديد الحراسة في مدينة شتوتغارت إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين القضاء الألماني ونشطاء مؤيدين لفلسطين، وسط تصاعد الجدل الأوروبي حول حدود الاحتجاج السياسي المرتبط بالحرب الإسرائيلية على غزة.
إذ يمثُل خمسة ناشطين منذ نهاية أبريل/نيسان 2026 أمام المحكمة الإقليمية في شتوتغارت، بعد اتهامهم باقتحام مقر شركة “Elbit Systems” الإسرائيلية للصناعات العسكرية في مدينة أولم جنوب ألمانيا، وتخريب معدات تقنية ومخبرية قالت الشركة إن قيمتها تتجاوز مليون يورو.
“مقاومة سياسية” أم “تنظيم إجرامي”؟
وفق موقع “MÜNSTER AKTUELL” الإخباري، وجهت النيابة العامة الألمانية للناشطين الخمسة تهماً تشمل الإضرار بالممتلكات، والتعدي على حرمة المنشآت، إضافة إلى “الانتماء إلى منظمة إجرامية”، وهي تهمة تحمل بعداً سياسياً وقانونياً ثقيلاً في ألمانيا، وقد تصل عقوبتها إلى السجن خمس سنوات.
كما أشارت النيابة، بحسب صحيفة “Spiegel” إلى أن التحقيقات تتعامل مع القضية باعتبارها ذات “دوافع معادية للسامية”، مستندة – بحسب قولها – إلى شعارات كُتبت خلال العملية، ومقاطع مصورة، إضافة إلى بيانات صادرة عن مجموعة “Palestine Action Germany”.
لكن المتهمين، الذين يقبعون في الحبس الاحتياطي منذ سبتمبر/أيلول 2025، لا ينفون تنفيذ العملية، بل يؤكدون أن ما قاموا به يندرج ضمن “العصيان السياسي” ضد الشركات المتورطة – بحسب وصفهم – في دعم الحرب الإسرائيلية على غزة، وليس عملاً معادياً لليهود.
وجاءت العملية بالتزامن مع مخيم احتجاجي حمل شعار “أوقفوا إلبِت”، في إشارة إلى تصاعد حملات التضامن مع الفلسطينيين داخل الجامعات والمدن الألمانية، رغم القيود الأمنية والسياسية المتزايدة على النشاط المؤيد لفلسطين.
جلسة افتتاحية تنتهي بالفوضى
ولم تكد المحاكمة تبدأ حتى انفجرت التوترات داخل القاعة. فقد رفضت القاضية المشرفة على القضية عدة طلبات تقدمت بها هيئة الدفاع، من بينها اعتراضات على ترتيب المقاعد والإجراءات الأمنية المفروضة على المتهمين.
وبحسب المحامين، اللذين حضروا الجلسة الأولى في 27 أبريل 2026، فقد تم إيقاف الميكروفونات الخاصة بالدفاع مع بداية المرافعات، ما دفع المحامين إلى مغادرة القاعة جماعياً احتجاجاً على ما وصفوه بـ”انتهاك حق الدفاع”.
وبعد تعليق الجلسة لساعتين، عاد المحامون إلى القاعة بخطوة احتجاجية غير مسبوقة، إذ جلسوا داخل القفص الزجاجي المخصص للمتهمين، في رسالة رمزية اعتبرها مراقبون تعبيراً عن رفضهم “لعزل المتهمين سياسياً وقضائياً”.
القاضية منحتهم مهلة قصيرة لإخلاء المكان، ولوحت بإمكانية استبعادهم من القضية، قبل أن تنهي الجلسة بشكل مبكر بعد استمرار التوتر. وأعلنت هيئة الدفاع لاحقاً نيتها تقديم طلب رسمي لتنحية القاضية بدعوى “التحيز”.
Elbit .. شركة السلاح التي تلاحقها الاحتجاجات
وتقف شركة “Elbit Systems”، أكبر شركة صناعات عسكرية خاصة في إسرائيل، في قلب القضية. فالشركة التي تتخذ من مدينة حيفا مقراً لها، تُعد أحد أبرز مزودي الجيش الإسرائيلي بالطائرات المسيّرة وأنظمة المراقبة والتسليح.
أما فرعها الألماني في مدينة أولم، فيعمل في تطوير تقنيات اتصال عسكرية وأنظمة حماية للجيش الألماني، ضمن عقود تسليح بمئات ملايين اليوروهات. وخلال الأشهر الماضية، أصبحت الشركة هدفاً لحملات احتجاجية متصاعدة في أوروبا، مع اتساع الانتقادات للدعم العسكري الغربي لإسرائيل خلال حرب غزة.
كما أثارت تقارير إعلامية تتحدث عن استبعاد “Elbit”من بعض عقود حلف الناتو بسبب شبهات فساد، مزيداً من الجدل حول نشاط الشركة داخل أوروبا.
اختيار Stammheim.. رمزية سياسية
ولم يكن اختيار مجمع Stammheim لعقد المحاكمة بعيداً عن الجدل السياسي المحيط بالقضية. إذ لم يكن صدفة، بل يرى كثيرون أنه يحمل إشارة سياسية، فهذا المكان ارتبط تاريخياً بمحاكمات أعضاء “الجيش الأحمر” اليساري المتطرف في سبعينيات القرن الماضي، وتحول مع الوقت إلى رمز للمواجهات بين الدولة الألمانية والحركات السياسية الراديكالية.
وترى هيئة الدفاع أن نقل القضية إلى هذا المجمع شديد الحراسة يحمل “رسالة سياسية” توحي بربط النشطاء الفلسطينيين أو المتضامنين مع غزة بقضايا “التطرف والإرهاب”، رغم تأكيد المحكمة، وفقاً لصحيفة “Spiegel” أن المبنى الحالي حديث وافتُتح عام 2019، وليس المبنى التاريخي نفسه.
كما أثارت الإجراءات الأمنية داخل القاعة انتقادات منظمات حقوقية، خاصة مع جلوس المتهمين خلف حاجز زجاجي يفصلهم عن محاميهم، ما اعتبرته جهات مدافعة عن الحقوق المدنية مساساً بمبادئ المحاكمة العادلة.
صراع يتجاوز حدود المحكمة
وتعكس القضية، بحسب مراقبين، تصاعد الصدام داخل أوروبا بين الحكومات الداعمة لإسرائيل من جهة، وحركات التضامن مع الفلسطينيين من جهة أخرى، في ظل اتهامات متزايدة للسلطات الأوروبية بتضييق مساحة الاحتجاج السياسي المرتبط بغزة.
وبينما تصر السلطات الألمانية على التعامل مع القضية باعتبارها “جريمة جنائية منظمة”، يرى ناشطون أن المحاكمة تمثل اختباراً جديداً لحدود حرية التعبير السياسي والأمن القومي في ألمانيا، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالقضية الفلسطينية.
ومع استمرار الجلسات، تبدو القضية مرشحة للتحول من ملف جنائي إلى محطة سياسية وقانونية ستتجاوز أصداؤها حدود قاعة المحكمة في شتوتغارت.