Skip to main content

ضحايا سوريون يواجهون جلادهم في محكمة لاهاي

 أحمد د. من ضمن المدعين في “قضية دروتن” في هولندا. Foto:Eman Helal
أحمد د. من ضمن المدعين في “قضية دروتن” في هولندا. Foto:Eman Helal

معصوب العينين.. مكبل اليدين من الخلف.. مُلقىً على الأرض شبه عارٍ وما يزال جسده الدافئ ينبض من شدة التعذيب والصعق بالكهرباء. يحاول النهوض عن الأرض لتجنب البلاط البارد في فصل الشتاء، لكنه لا يقوى على الحركة. داخل غرفة مهدمة في مزرعة مهجورة وسط منطقة نائية على أطراف مدينة سلمية. كانت في السابق مكاناً لقضاء الإجازة الصيفية لكن جدرانها الآن تشهد على التعذيب والقتل. صراخ لا يُسمع وجراح تنزف.

ظل حسان س. غير قادر على النوم على ظهره لمدة ثلاثة أشهر، فالألم مُبرح بسبب تقيح الجرح في الجانب الأيسر من ظهره. ولا توجد أدوية مضادة للالتهاب ولا مياه لتنظيفه. يقبع جلاده رفيق ا. الآن في أحد السجون بهولندا منذ 28 شهراً، حيث يواجه محاكمة بتهم التعذيب والعنف الجنسي والاغتصاب. لحظة أن رآه للمرة الأولى لم يُزح نظره عنه، وكانت تعلو وجهه ابتسامة، فهو لا يصدق أن الشخص الذي عذبه يوماً يحاكم اليوم على أفعاله.

محاكمة رفيق ا. بتهم التعذيب والاغتصاب

تشهد المحكمة الابتدائية في مدينة لاهاي بهولندا محاكمة رفيق ا. البالغ من العمر 58 عاماً، والذي كان يعمل رئيساً لقسم التحقيق في قوات الدفاع الوطني بمدينة سلمية التابعة لمحافظة حماة السورية، وهي ميليشيا موالية للحكومة كانت تعمل تحت ظل نظام بشار الأسد. قبل قيام الثورة السورية في عام 2011، كان المتهم يعمل كاتب عدل لدى النيابة العامة.

الآن يواجه المشتبه به 25 تهمة يُزعم أنه ارتكبها في مدينة سلمية بين عامي 2013 و2014. تُعرف القضية في هولندا باسم “قضية دروتن” وتشمل لائحة التهم المشاركة في ارتكاب جريمة التعذيب بصفة رسمية والتعذيب بوصفه جريمة ضد الإنسانية، وارتكاب العنف الجنسي والاغتصاب بوصفهما جريمة ضد الإنسانية. يشارك في القضية تسعة مُدعين بالحق المدني من بينهم سيدتان. ويقيم خمسة من المدعين في ألمانيا، بينما يعيش الآخرون بين فرنسا وسويسرا والسويد.

في عام 2021 وصل رفيق ا. إلى هولندا، وكانت السلطات على علم مُسبق بعمله في مدينة سلمية. فقد تداولت الدوائر السورية أنباء عن محاولة هروبه إلى أوروبا وأُعلمت السلطات المعنية عند وصوله إلى هولندا. في حين لعب المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية في برلين دوراً رئيسياً في جمع الأدلة وشهادات الضحايا، التي ساعدت في بدء عدد من المحاكمات ضد مسؤولين من نظام بشار الأسد في عدة دول أوروبية، ومن بينها محاكمة رفيق ا. في هولندا.

ألقت الشرطة الهولندية القبض عليه في عام 2023 في مدينة دورتن، وبدأت محاكمته في 8 أبريل 2026، بينما خُصصت جلسة الخامس عشر من حزيران/يونيو للإعلان عن الحكم.

أنكر المتهم كل التهم الموجهة إليه، بل نفى أيضاً أنه كان يعمل كمحقق لدى قوات الدفاع الوطني. قُدمَت للمحكمة في لاهاي أدلة مُستندية شملت وثائق صادرة عن قوات الدفاع الوطني السوري تحمل اسم المشتبه به، وتقارير رسمية صادرة عن أجهزة استخباراتية سورية تصفه بأنه محقق سابق في قوات الدفاع الوطني وتتهمه بارتكاب جرائم جنسية. علاوة على ذلك، عرضت المحكمة تحليلاً جنائياً لصور عُثر عليها في هاتف زوجة المشتبه به، تُظهره وهو يرتدي ملابس عسكرية ويحمل سلاحاً نارياً.

مزرعة الكويتي: مركزاً للتحقيق 

في تشرين الأول/ أكتوبر 2013 تعرض أحمد د. وحسان س. للاعتقال، ضمن قضية واحدة شملت آخرين، في مقر الدفاع الوطني بالسلمية لعدة أيام. مركز الاعتقال لم يكن سجناً نظامياً، بل مزرعة مهجورة كانت مملوكة لرجل كويتي واستولت عليها قوات الدفاع الوطني. كان أحمد د. وقتها مراهقاً لم يتخطَّ الثامنة عشرة، شارك في المظاهرات ضد النظام بالدق على الطبول. اعتقلت قوات الدفاع الوطني أخاه الأكبر من المنزل عندما لم تجده، فاضطر أن يُسلم نفسه. فذهبت والدته وعمه بصحبته، حيث كان والده مُعتقلاً قبلها بعدة أشهر في منطقة التضامن التابعة لقوات الدفاع الوطني في دمشق.

ظل أحمد د. أربعة أيام مُعتقلاً في مزرعة الكويتي قبل أن يُنقل مع آخرين إلى دمشق لمقر الأمانة العامة للدفاع الوطني في جبل قاسيون، ثم نُقل بعدها إلى سجن الشرطة العسكرية في منطقة القابون وأخيراً لسجن عدرا المدني، الذي ظل فيه حتى أُفرج عنه في منتصف 2014. يقول أحمد “أنا محظوظ أنهم حولوني من مُعتقل لآخر. فالأشخاص الذين يظلون محتجزين في مكان واحد غالباً ما يموتون داخل المعتقل”. هذا ما حدث مع والده الذي مات داخل المُعتقل ولم تعرف العائلة بموته إلا عام 2016.

تعرض أحمد د. خلال فترة اعتقاله في مزرعة الكويتي للتعذيب، فعُلّق في خطاف بالسقف من قدميه وضُرب بكابل كهرباء عريض وعصا غليظة. كان معصوب العينين ويداه مربوطتان من الخلف. كما تعرض للصعق بالكهرباء في معصمي يديه. شعر أحمد أن صوت المحقق مألوف، لكنه لم يستطع التعرف عليه في البداية. استمر التعذيب لساعات طويلة، ولم يكن يتوقف إلا لأن من يعذبه يشعر بالتعب. تعرض أحمد للضرب حتى فقد وعيه وكان عليه أن يعترف بجرائم لم يرتكبها حتى يتوقفوا. وضربوه خلال التعذيب عمداً على أعضائه التناسلية، حيث قال له المحقق “يجب ألا يكون هناك ذرية لأمثالك” وأهانه بألفاظ بذيئة. بعد أن بصم أحمد د. على أقواله تحدث المحقق معه بشكل ودود وبدأ مفاوضته على ما تمتلكه عائلته لكي يُفرَج عنه. وقتها أدرك أحمد أن الشخص الذي يحقق معه هو رفيق ا. قبل تعذيبه جعلوه يخلع ملابسه وكان الجو بارداً، وظل عارياً لمدة أربعة أشهر، نُقل خلالها من سجن لآخر.

بعد أن خرج أحمد من السجن أراد رفيق ا. زيارته في المنزل، لكنه رفض.إذ إن رفيقاً قُبض عليه بتهمة اغتصاب سيدات أثناء التحقيق معهن، وقضى عدة أشهر في السجن. وبعد خروجه حاول التواصل مع بعض الأشخاص الذين كانوا معتقلين لمحاولة تبرير ما فعله بهم.

تواصل أحمد د. البالغ من العمر 31 عاماً مع المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية في برلين وقدم إفادته هناك. عندما وصل رفيق إلى هولندا بدأت الشرطة الهولندية في التحقيق وسماع شهادات المجني عليهم من مختلف الدول. وجاء المحققون الهولنديون إلى هانوفر واستمعوا لشهادة أحمد. وفي 8 كانون الأول/ديسمبر 2023 ألقت الشرطة الهولندية القبض على رفيق ا.

شاهد سري في القضية 

تواصلت الشرطة الهولندية مع حسان س.، البالغ من العمر 35 عاماً، للإدلاء بشهادته لكنه كان يخشى على عائلته ورفض في البداية الحديث معهم، حتى استطاعوا إقناعه بشرط أن يظل شاهداً سرياً. لجأ حسان إلى ألمانيا عام 2015 وانتقل للعيش في مدينة صغيرة تقع في جبال هارتس بولاية ساكسونيا-أنهالت، حيث كان يقيم ابن أخته البالغ من العمر وقتها 17 عاماً في كامب للقاصرين. مدينة مشهورة سياحياً لكن كانت تحدياً كبيراً من الناحية الاجتماعية، فهي مملة للغاية بالنسبة لحسان، الذي بدأ هناك تعلم صناعة الشموع لتصبح مصدر رزقه. سافر إلى هولندا في منتصف 2023 والتقى بمحققين هولنديين في فندق سراً. كان عليه ألا يخبر أحداً من عائلته أو معارفه باللقاء حيث اصطحبه رجال الأمن الهولندي في سيارة فان خاصة إلى فندق بمدينة صغيرة والتقى فريق التحقيق هناك سراً.

لم يستطع حسان الإدلاء بتفاصيل كثيرة قد تُعلن عن شخصيته، من بينها الجرح الذي خلفه التعذيب على الجزء الأيسر من ظهره أو حينما وضع المحقق المسدس داخل فمه وهدده بتفجير رأسه. كذلك عندما هدده المحقق أن يقطع إصبعه إذا لم يبصم على الأقوال التي يريدونها. أُغلق الجرح في كتفه بعد فترة طويلة لكن الندبة ظلت في ظهره تؤلمه، وإذا ما لمسها أحد يشعر كأنه صُفع على وجهه. بعد سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 تواصل حسان مرة أخرى مع المحققين الهولنديين وأخبرهم أنه يريد الإدلاء بشهادته كاملة ويريد أن يُصبح شاهداً علنياً. يقول حسان: “هناك وعود ضمنية بيننا وبين المعتقلين السابقين بأن كل من يُطلق سراحه حيًا سيخبر العالم بما حدث له داخل سجون بشار. إنه واجبنا، بغض النظر عما إذا كنا مرتاحين أم لا، أن نخبر بما حدث داخل تلك المعتقلات”.

العنف الجنسي كأداة للتعذيب 

وفقاً للنيابة العامة، يواجه المتهم في قضية “دورتن” ست تهم تتعلق بالمشاركة في ارتكاب العنف الجنسي بوصفه جريمة ضد الإنسانية وتهمة واحدة بالاغتصاب. لذلك طالبت النيابة العامة بإنزال أقصى عقوبة ممكنة بحق المتهم وهي السجن لمدة 30 عاماً والاستجابة لمطالبات الضحايا بالتعويض عن الأضرار.

وكانت إحدى الضحايا قد أدلت بشهادتها وأقرت بوجود شامة (علامة مميزة) بالقرب من العضو الذكري للمتهم، وتم توقيع الكشف الطبي عليه للتحقق من ذلك. كما أشارت النيابة العامة خلال إحدى جلسات المحاكمة إلى قيام المتهم بالتحرش الجنسي بأحد الموظفين داخل السجن الذي يقبع فيه حالياً في هولندا.

في يناير 2013 تعرض ماهر “اسم مستعار” للاعتقال من قبل قوات الدفاع الوطني في سلمية واحتُجز داخل معمل سجاد مهجور بوسط منطقة سكنية تقع في المنطقة الغربية في السلمية، وكان يحيطه مستشفى السلمية العام ومدرسة. ولمدة خمسة أيام ظل ماهر مُقيداً من الخلف وكان على المعتقلين الآخرين مساعدة بعضهم البعض للتبول. تعرض ماهر خلال فترة اعتقاله للتعذيب وكانوا يهددونه بإرساله إلى «سجن دير شميل سيئ السمعة» والذي تعرض فيه المعتقلون لأبشع أنواع التعذيب. عند اعتقال ماهر استولى العناصر على الحاسوب الخاص به، حيث وثق مع آخرين المظاهرات وكانوا يرسلون تلك الصور لوسائل الإعلام. وخلال التحقيق كانوا يريدون معرفة شركائه في تلك المجموعة.

خلال تعذيبه حاول أحد المحققين إدخال فوهة البندقية في مؤخرته. بعد تلك الواقعة لم يحتمل ماهر أن يساعده المعتقِلون بالتبول فلم يكن يريد أن يقترب منه أحد وفضّل التبول داخل ملابسه. هدد المحققون بخطف ابنة أخت ماهر- التي كانت تبلغ من العمر وقتها أربعة أشهر – حينما رأوا صورتها وهي ترتدي كوفية صنعتها أمه لعلم سوريا الحرة. أثناء الضرب المُبرح الذي تعرض له ماهر تحركت العُصبة من على عينيه أكثر من مرة، فرأى المحقق. بعد أيام من الإفراج عنه – بعد تدخل والد خطيبته في ذلك الحين – تعرض المكان للتفجير واستخدمت قوات الدفاع الوطني موقعاً جديداً كمركز للتحقيق. بعد فترة نُشرت صور لأفراد الدفاع الوطني وتعرف ماهر على صورة رفيق ا.

يقول ماهر “في الوقت الذي كنت أتعرض فيه للضرب والتهديد باعتقال أهلي، بكيت. وقال رفيق “مو عيب عليك أنت رجل وبتبكي، وضربني أكتر””. يقول ماهر إن رفيقاً كرر هذه الجملة في قاعة المحكمة في هولندا وقال “مو عيب عليكم انتوا وعم تشتكوا علي قاعدين عم تبكوا”.

وكما جاء في أقوال المدعين خلال جلسات الاستماع لشهادتهم، فإن المتهم أُولِيَ اهتماماً خاصاً لاستخدام الإذلال والعنف النفسي بوصفهما مكونين أساسيين للسلوك الجرمي المزعوم. ووصف الشهود تعرضهم للإهانة والتحقير والإجبار على أفعال تجردهم من إنسانيتهم، بما في ذلك إرغامهم على التصرف «كالحيوانات» من أجل تسلية الحراس. وذكر أحد الضحايا أن المتهم كان يستمد شعوراً ظاهراً بالرضا من معاناة المعتقلين، بينما صرح ضحية آخر بأن التعذيب كان يُمارس في كثير من الأحيان ليس بغرض الحصول على معلومات، بل من أجل الترفيه.

أمل باللغة الألمانية

يلا