Skip to main content

كيف ستتشكل الحكومة المقبلة في ساكسونيا أنهالت؟

صورة توثق عناوين الصحف الألمانية في أعقاب نتائج انتخابات ساكسونيا أنهالت (Foto: Christoph Reichwein/dpa)
صورة توثق عناوين الصحف الألمانية في أعقاب نتائج انتخابات ساكسونيا أنهالت (Foto: Christoph Reichwein/dpa)

أُسدل الستار على انتخابات برلمان ولاية ساكسونيا أنهالت الألمانية، لكن نتائجها فتحت الباب أمام مرحلة سياسية معقدة، بعدما تصدر حزب البديل من أجل ألمانيا النتائج بفارق كبير، من دون أن يتمكن من تحقيق الأغلبية المطلقة التي تخوله تشكيل حكومة بمفرده. إذ حصل الحزب على 43.8% من الأصوات، ليحصد 39 مقعداً من أصل 83 في برلمان الولاية.

في المقابل، حصل الاتحاد الديمقراطي المسيحي على 17.2%، والحزب الاشتراكي الديمقراطي على 9.3%، وحزب الخضر على 8.9%، ليحصد التحالف المحتمل بينها 31 مقعداً فقط. أما حزب اليسار فحصل على 8.6%، بما يعادل 8 مقاعد، في حين دخل تحالف سارا فاغنكنخت البرلمان بـ5 مقاعد بعد حصوله على 5.3% من الأصوات. وبذلك تبدأ مفاوضات شاقة لتحديد شكل الحكومة المقبلة، في وقت تبدو فيه خيارات تشكيل ائتلاف يحظى بأغلبية واضحة محدودة للغاية.

حكومة تسيير أعمال حتى انتخاب رئيس وزراء جديد

رغم انتهاء الانتخابات، لن تدخل الولاية في فراغ حكومي. وسيواصل رئيس وزراء ساكسونيا أنهالت الحالي، سفين شولتسه عن الاتحاد الديمقراطي المسيحي، وأعضاء حكومته مهامهم بصفة حكومة تسيير أعمال إلى حين انتخاب رئيس وزراء جديد، وفقاً لصحيفة Tagesschau الألمانية.

وينص دستور الولاية على أن ينعقد البرلمان المنتخب حديثاً في موعد أقصاه 6 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أي خلال 30 يوماً من إجراء الانتخابات. وخلال الجلسة الأولى، يتم انتخاب رئيس جديد للبرلمان، كما يعتمد البرلمان نظامه الداخلي، فيما يرأس الجلسة الأولى أقدم النواب عضوية في البرلمان.

على خلاف بعض الولايات الألمانية، لا يحدد دستور ساكسونيا أنهالت مهلة زمنية إلزامية لانتخاب رئيس الوزراء الجديد. ويعود ذلك إلى إدراك المشرع أن تشكيل الحكومات قد يستغرق وقتاً، خصوصاً في ظل نتائج انتخابية متقاربة أو برلمان منقسم، وعادة ما توضع عملية انتخاب رئيس الوزراء على جدول أعمال البرلمان بعد انتهاء الأحزاب من مفاوضات تشكيل الائتلاف أو الاتفاق على شكل من أشكال التعاون الحكومي. لكن يمكن أيضاً لمجموعة من النواب أن تطلب طرح انتخاب رئيس الوزراء على جدول الأعمال قبل انتهاء مفاوضات تشكيل الحكومة.

ثلاثة اقتراعات قد تحسم مصير الحكومة

تجري عملية انتخاب رئيس الوزراء عبر اقتراع سري، ما يعني أن النتائج قد تحمل مفاجآت، خصوصاً في ظل التوازن الدقيق للقوى داخل البرلمان. وفي الجولة الأولى، يحتاج المرشح إلى الأغلبية المطلقة لجميع أعضاء البرلمان، أي الحصول على 42 صوتاً على الأقل من أصل 83.

إذا لم ينجح أي مرشح في تحقيق هذه الأغلبية، يجب إجراء جولة ثانية خلال سبعة أيام، مع استمرار الحاجة إلى الأغلبية المطلقة. أما إذا فشلت الجولة الثانية أيضاً، يدخل البرلمان في مرحلة حاسمة، إذ يتعين عليه خلال 14 يوماً التصويت على حل نفسه. ويتطلب ذلك أغلبية جميع أعضائه، وفي حال الموافقة تجرى انتخابات جديدة. لكن إذا لم يُحل البرلمان، تجرى الجولة الثالثة من انتخاب رئيس الوزراء فوراً، وهنا تكفي الأغلبية البسيطة من الأصوات المدلى بها، من دون احتساب الامتناعات عن التصويت. وهذا يعني أن مرشحاً يمكن أن يصبح رئيساً للوزراء من دون أن يحظى بتأييد أغلبية جميع أعضاء البرلمان.

هل يقود فوز حزب البديل الولاية إلى حكومة أقلية؟

حصول حزب البديل من أجل ألمانيا على 39 مقعداً لا يمنحه الأغلبية المطلقة، وبالتالي لا يستطيع تشكيل حكومة بمفرده. كما أن الأحزاب الأخرى قد استبعدت قبل الانتخابات الدخول في ائتلاف مع الحزب، وهو موقف جددته بعد إعلان النتائج. لكن مرشح الحزب لمنصب رئيس الوزراء، أولريش زيغموند، غير لهجته مساء الانتخابات، معلناً مد يده إلى جميع الأحزاب التي تستعد لتنفيذ سياسات البديل من أجل ألمانيا.

ويملك الحزب خياراً آخر يتمثل في تشكيل حكومة أقلية، لكنه سيحتاج في هذه الحالة إلى دعم نواب من أحزاب أخرى لتمرير القوانين، كما سيحتاج إلى أصوات من خارج كتلته لانتخاب زيغموند رئيسا للوزراء. وفي الجولة الثالثة تحديداً، قد يصبح انحراف نائب واحد عن موقف كتلته كافياً لترجيح كفة زيغموند.

الخيار الآخر يتمثل في تشكيل حكومة يقودها الاتحاد الديمقراطي المسيحي بالتعاون مع الحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب الخضر. لكن هذه الأحزاب الثلاثة لا تملك سوى 31 مقعداً، وهو عدد بعيد عن الأغلبية. كما تستبعد قيادة الاتحاد الديمقراطي المسيحي تشكيل ائتلاف مع حزب اليسار. ومع ذلك، قد تسعى الأحزاب الثلاثة إلى تشكيل حكومة أقلية، مع محاولة الحصول على دعم حزب اليسار في انتخاب رئيس الوزراء وتمرير بعض القوانين. وقد ألمح حزب اليسار إلى إمكانية النظر في هذا الخيار، لكن حتى انضمامه إلى هذا الترتيب سيمنح المعسكر 39 مقعداً فقط. وهنا تظهر مشكلة أساسية وهي أن حزب البديل من أجل ألمانيا يملك العدد نفسه من المقاعد، ما قد يؤدي إلى حالة تعادل إذا التزم جميع النواب بمواقف كتلهم.

في هذه المعادلة المعقدة، يصبح تحالف سارا فاغنكنخت (BSW)، بمقاعده الخمسة، الطرف الحاسم. فإذا امتنع نواب الحزب عن التصويت في انتخاب رئيس الوزراء، فقد ينتهي التصويت الثالث إلى التعادل بين مرشح البديل من أجل ألمانيا ومرشح الاتحاد الديمقراطي المسيحي. وكانت زعيمة الحزب في الولاية، كلوديا فيتيغ، قد أكدت مساء الانتخابات أنها لا تعتزم التصويت لا لزيغموند ولا لسفين شولتسه. لكن الحزب أعلن في الوقت نفسه استعداده للتعاون مع حزب البديل من أجل ألمانيا في ملفات محددة.

وبالتالي، قد يكون موقف نواب الحزب الخمسة حاسماً في تحديد هوية رئيس الوزراء المقبل، بل إن صوت نائب واحد فقط من الحزب قد يكون كافياً لحسم الجولة الثالثة لصالح أحد المرشحين.

حكومات الأقلية.. تجربة موجودة في ألمانيا

حكومة الأقلية ليست أمراً غير مسبوق في ألمانيا. ففي ولاية تورينغن، يقود رئيس الوزراء ماريو فوغت من الاتحاد الديمقراطي المسيحي حكومة ائتلافية تضم حزب سارا فاغنكنخت والحزب الاشتراكي الديمقراطي، لكنها لا تتمتع بأغلبية داخل البرلمان.

كما يحكم رئيس وزراء ساكسونيا، ميشائيل كريتشمر، من الاتحاد الديمقراطي المسيحي، بالتعاون مع الحزب الاشتراكي الديمقراطي، من دون أغلبية خاصة بهما. وفي مثل هذه الحالات، تضطر الحكومات إلى البحث عن دعم أحزاب أخرى في كل مشروع قانون، بحسب القضية المطروحة.

كيف يمكن الوصول إلى انتخابات جديدة؟

إذا استمرت أزمة تشكيل الحكومة، فقد تصبح العودة إلى صناديق الاقتراع خياراً مطروحاً. وينص دستور ساكسونيا أنهالت على ثلاث آليات يمكن أن تؤدي إلى انتخابات جديدة. أولاً، إذا فشل البرلمان في انتخاب رئيس وزراء في الجولة الثانية، يمكنه التصويت على حل نفسه بأغلبية أعضائه. وثانياً، يمكن للبرلمان أن يقرر حله بأغلبية الثلثين، لكن هذا الخيار لا يمكن طرحه قبل مرور ستة أشهر، كما أن تحقيق هذه الأغلبية سيكون مستحيلاً من دون مشاركة نواب حزب البديل من أجل ألمانيا. أما ثالثاً، إذا انتُخب رئيس وزراء جديد ثم طرح مسألة الثقة بحكومته وخسر التصويت، يمكن أن يؤدي ذلك إلى انتخابات جديدة. وفيما يتعلق بحكومة تسيير الأعمال الحالية فلا يمكن لرئيس وزرائها طرح مسألة الثقة، لأن استمرارها في السلطة لا يعتمد على ثقة البرلمان.

ورغم ذلك، كان مرشح حزب البديل من أجل ألمانيا، أولريش زيغموند، قد تحدث بالفعل مساء الانتخابات عن احتمال إجراء انتخابات جديدة. ويثير ذلك احتمال أن يكون الحزب مستعداً للاستفادة من أزمة تشكيل الحكومة، وربما يرى في إعادة الانتخابات فرصة لتعزيز موقعه السياسي. لكن الطريق إلى انتخابات جديدة ليس تلقائياً، إذ يتطلب المرور بالإجراءات الدستورية المحددة، في وقت يبقى فيه البرلمان أمام مهمة أساسية، محاولة انتخاب رئيس وزراء جديد وتشكيل حكومة جديدة.

صعود اليمين المتطرف يثير المخاوف

ولم تقتصر تداعيات النتيجة على أروقة البرلمان، إذ أثار الفوز الكبير لحزب البديل من أجل ألمانيا، المصنف من قبل هيئة حماية الدستور الألمانية كحزب يميني متطرف مؤكد، ردود فعل واسعة في الأوساط السياسية والدينية واليهودية ومنظمات المهاجرين.

وأعرب رئيس المجلس المركزي لليهود في ألمانيا، يوزف شوستر، عن صدمته من أن يصبح حزب يميني متطرف أقرب من أي وقت مضى إلى تشكيل حكومة بمفرده في ولاية ألمانية. كما عبرت الناجية من الهولوكوست والرئيسة السابقة للمجلس المركزي لليهود، شارلوت كنوبلوخ، عن خوفها من النتيجة، معتبرة أن صعود اليمين المتطرف إلى صدارة الانتخابات الألمانية مجدداً أمر لم تكن تتوقعه. وحذرت منظمات تمثل المهاجرين في شرق ألمانيا من تصاعد الإقصاء والعنصرية، مؤكدة أن الهجرة أصبحت واقعاً مجتمعياً وليست “معركة ثقافية”.

احتجاجات ودعوات لمواجهة صعود اليمين

وفي أعقاب الانتخابات، خرجت مظاهرات في عدد من المدن الألمانية احتجاجاً على صعود حزب البديل من أجل ألمانيا. وشهدت فرانكفورت مشاركة نحو 2500 شخص، وفقاً للشرطة، للمطالبة بدراسة إمكانية بدء إجراءات لحظر الحزب، فيما شهدت برلين وهامبورغ وماينتس احتجاجات مماثلة. ومن المقرر تنظيم مظاهرة أكبر أمام بوابة براندنبورغ في برلين، وسط توقعات بمشاركة آلاف الأشخاص.

وفي المقابل، حذرت أوساط اقتصادية من تداعيات النتيجة على صورة ألمانيا كوجهة للاستثمار، مشيرة إلى أن الاقتصاد الرقمي والشركات يعتمدون على الانفتاح والتنوع والتعاون الدولي، وعلى القدرة على جذب الكفاءات من داخل ألمانيا وخارجها. وهكذا تدخل ساكسونيا أنهالت مرحلة سياسية مفتوحة على عدة احتمالات: حكومة يقودها الاتحاد الديمقراطي المسيحي، أو حكومة أقلية، أو حتى وصول حزب البديل من أجل ألمانيا إلى رئاسة الحكومة في حال نجح في حشد أصوات كافية، أو في نهاية المطاف انتخابات جديدة. والعامل الحاسم في كل هذه السيناريوهات سيكون قدرة الأحزاب والنواب على كسر حالة الاستقطاب والتعادل داخل برلمان لا يملك فيه أي معسكر أغلبية واضحة.

أمل باللغة الألمانية

يلا