Skip to main content

أوروبا تفتح مراكز ترحيل خارج القارة للحد من الهجرة

جانب من إجراءات ترحيل المهاجرين في ألمانيا. Foto: Sebastian Willnow/dpa/ صورة أرشيفية
جانب من إجراءات ترحيل المهاجرين في ألمانيا. Foto: Sebastian Willnow/dpa/ صورة أرشيفية

في كل عام، يبيع آلاف المهاجرين ما يملكونه، ويستدين آخرون مبالغ تفوق قدرتهم على السداد، ويخاطر كثيرون بأرواحهم في الصحارى والبحار، هرباً من الموت أو بحثاً عن الحلم الأوروبي. رحلة تبدأ من مدن أنهكتها الحروب والفقر وانعدام الفرص، وتمر عبر شبكات تهريب، قبل أن تصطدم بحدود أكثر صرامة وسياسات تتجه نحو الإبعاد بدلاً من الاستقبال، في وقت تواصل فيه بروكسل البحث عن طرق لإخراجهم منها وإنهاء أحلامهم. فهل سينتهي الحلم الأوروبي في مراكز ترحيل المهاجرين خارج القارة؟

ثلاثة محاور لتسريع الترحيل

بحسب موقع تاغسشاو الإخباري، تسعى بروكسل إلى زيادة أعداد المرحلين وتسريع إجراءات الإعادة عبر ثلاثة محاور رئيسية. أول هذه المحاور يتمثل في جعل قرارات رفض اللجوء أكثر فاعلية على مستوى الاتحاد الأوروبي، بحيث يُعترف بقرار الرفض الصادر في أي دولة عضو من قبل بقية الدول، ما يتيح تنفيذ الترحيل بصورة أسرع وأكثر تنسيقاً.

أما المحور الثاني فيركز على إلزام الأشخاص الصادرة بحقهم أوامر مغادرة بالتعاون مع السلطات، من خلال فرض عقوبات على غير المتعاونين، تشمل خفض المساعدات الاجتماعية أو مصادرة بعض الوثائق الرسمية.

ويتمثل المحور الثالث والأكثر إثارة للجدل في السماح بنقل بعض المهاجرين المرفوضة طلباتهم إلى مراكز تقع في دول ثالثة، خصوصاً في الحالات التي يتعذر فيها إعادتهم إلى بلدانهم الأصلية بسبب رفض تلك الدول استقبالهم أو لوجود عقبات قانونية وإدارية.

استكمال لإصلاحات اللجوء الأوروبية

يأتي الاتفاق في إطار استكمال حزمة إصلاحات واسعة لنظام اللجوء الأوروبي، والتي من المقرر أن تدخل حيز التنفيذ الكامل خلال الفترة المقبلة.

وتشير بيانات الاتحاد الأوروبي إلى أن نسبة كبيرة من الأشخاص الذين تصدر بحقهم قرارات مغادرة لا يغادرون فعلياً الأراضي الأوروبية، إذ لم تتجاوز نسبة التنفيذ خلال العام الماضي 28% فقط، وهو ما تعتبره بروكسل دليلاً على ضعف فعالية النظام الحالي.

وقال مفوض الشؤون الداخلية الأوروبي ماغنوس برونر إن القواعد الجديدة ستمنح الاتحاد الأوروبي قدرة أكبر على ضمان تنفيذ قرارات الترحيل، مؤكداً أن المواطنين الأوروبيين ينتظرون سياسات أكثر صرامة في هذا الملف.

بحث عن دول شريكة

في ألمانيا، أعلن وزير الداخلية ألكسندر دوبريندت أن مجموعة من الدول الأوروبية، من بينها النمسا والدنمارك واليونان، تعمل على التوصل إلى اتفاقات مع دول خارج الاتحاد لإنشاء مراكز خاصة بالترحيل قبل نهاية العام الجاري.

ورغم عدم الإعلان عن اتفاقات نهائية حتى الآن، فإن أسماء عدة دول تتكرر في النقاشات الأوروبية، من بينها رواندا وليبيا وموريتانيا وأوزبكستان وإثيوبيا.

وكانت هولندا قد توصلت بالفعل إلى اتفاق مع أوغندا في هذا الإطار، بينما سبقتها إيطاليا بتوقيع اتفاق مع ألبانيا لإنشاء مراكز مماثلة. غير أن التجربة الإيطالية واجهت عقبات قانونية بعدما تم نقل أول دفعة من المهاجرين إلى الأراضي الألبانية، قبل أن تتدخل المحاكم للنظر في مدى توافق الإجراءات مع القانون الأوروبي.

الضوء الأخضر المشروط

وفي تطور مهم، خلص رأي قانوني صادر عن محكمة العدل الأوروبية في أبريل/نيسان الماضي إلى أن المراكز التي أنشأتها إيطاليا في ألبانيا لا تتعارض من حيث المبدأ مع التشريعات الأوروبية. لكن المحكمة وضعت شروطاً واضحة، من بينها ضمان حصول المهاجرين على المساعدة القانونية والترجمة، وإمكانية التواصل مع عائلاتهم والسلطات المختصة، والحفاظ على حقوقهم الأساسية طوال فترة وجودهم في تلك المراكز.

انتقادات حقوقية واسعة

ورغم أن أحزاب اليمين المحافظ في أوروبا تقدم الخطة باعتبارها حلاً عملياً لأزمة الهجرة، فإن منتقديها يرون فيها محاولة أوروبية جديدة لإبعاد المهاجرين عن الأنظار أكثر من كونها معالجة حقيقية للملف.

وتحذر بريغيت سيبيل، المتحدثة باسم الاشتراكيين الديمقراطيين الأوروبيين في شؤون الداخلية، من أن الاتحاد الأوروبي يتجه نحو إنشاء مراكز ترحيل في دول تفتقر إلى إطار قانوني واضح يضمن حماية الحقوق الأساسية للمهاجرين. وتقول إن نقل أشخاص إلى دول لا تربطهم بها أي علاقة أو صلة قانونية يثير تساؤلات جدية حول مدى التزام أوروبا بالمبادئ التي طالما تباهت بها في مجال حقوق الإنسان وسيادة القانون.

وبينما تتحدث بروكسل عن تعزيز كفاءة الترحيل، يرى معارضون أن القارة التي قدمت نفسها لعقود باعتبارها حامية لحق اللجوء باتت تبحث عن طرق لنقل هذه المسؤولية إلى خارج حدودها، في خطوة يعتبرها منتقدون تحولاً سياسياً وأخلاقياً لافتاً في مقاربة الاتحاد الأوروبي لملف الهجرة. 

حتى العائلات مهددة بالترحيل

ومن أكثر البنود إثارة للجدل أن القواعد الجديدة لا تستثني العائلات التي لديها أطفال من إمكانية نقلها إلى هذه المراكز. وتؤكد الصيغة المقترحة أن ذلك يجب أن يتم باعتباره “الحل الأخير” ولأقصر فترة ممكنة، إلا أن منظمات حقوقية تخشى أن يؤدي هذا التوجه إلى تعريض الأطفال وأسرهم لظروف معيشية صعبة خارج الاتحاد الأوروبي.

احتجاز أطول وإجراءات أشد

ولا تقتصر التغييرات على إنشاء مراكز الترحيل خارج الحدود الأوروبية، بل تمتد إلى تشديد غير مسبوق لإجراءات الاحتجاز والترحيل داخل الاتحاد نفسه. فبموجب اللائحة الجديدة، يمكن احتجاز الأشخاص المطلوب ترحيلهم لمدة تصل إلى عامين كاملين، مع إمكانية تمديد الاحتجاز ستة أشهر إضافية في بعض الحالات التي تصنفها السلطات على أنها مرتبطة بمخاطر أمنية.

كما تمنح القواعد الجديدة أجهزة الهجرة والأمن الأوروبية صلاحيات أوسع لتعقب الأشخاص الصادرة بحقهم قرارات ترحيل، وتبادل بياناتهم بين الدول الأعضاء، والحد من قدرتهم على التنقل داخل الاتحاد الأوروبي. وتقول بروكسل إن الهدف هو سد الثغرات التي سمحت لآلاف المهاجرين بتفادي تنفيذ قرارات الإبعاد، فيما يرى منتقدون أن أوروبا تتجه تدريجياً نحو مقاربة أكثر تشدداً، تنقل ملف الهجرة من إطاره الإداري والإنساني إلى دائرة الرقابة الأمنية والاحتجاز طويل الأمد.

تراجع طلبات اللجوء إلى ألمانيا إلى أدنى مستوياتها

في المقابل، وبحسب تقرير لإذاعة Deutschlandfunk الألمانية، تُشير بيانات وزارة الداخلية الألمانية إلى تراجع ملحوظ في أعداد طلبات اللجوء والهجرة خلال الفترة الأخيرة، إذ سُجل نحو 5,600 طلب لجوء في الشهر الماضي، بانخفاض يقارب 30% مقارنة بالعام السابق، وهو أدنى مستوى منذ عام 2020 حين كانت قيود جائحة كورونا تغلق الحدود عملياً.

وعلى نطاق أوسع، تراجع عدد المهاجرين إلى ألمانيا إلى نحو 1.48 مليون شخص خلال العام الماضي، بانخفاض نسبته 13%، ليصل إلى أدنى مستوى له منذ 2014 خارج سنوات الجائحة. وبينما تعتبر الحكومة الألمانية هذه الأرقام دليلاً على نجاح سياساتها في “الحد من الهجرة”، يميل باحثون إلى تفسير المشهد بصورة أقل احتفاءً، رادين التراجع إلى تغيّرات في مسارات الهجرة وظروف بلدان المنشأ ودول العبور، أكثر مما هو نتيجة مباشرة للإجراءات الداخلية. 

دبلن تسريع الترحيل أم إدارة أزمة اللجوء

فيما يتعلق بعمليات الترحيل ضمن نظام “دبلن”، وفقاً لموقع MiGAZIN الإخباري، لا ترى الجهات الرسمية الألمانية حتى الآن رابطاً مباشراً بين تراجع أعداد الدخول غير النظامية وانخفاض طلبات اللجوء الأولية من جهة، وبين حجم عمليات الترحيل من جهة أخرى. فالمكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين يؤكد أنه يستغل انخفاض تدفق الطلبات الجديدة للتركيز على معالجة ما يُعرف بـ”الملفات المتراكمة”، والتي قد تنتهي بدورها بقرارات ترحيل لاحقة، في محاولة لتقليص تراكم الإجراءات الإدارية داخل النظام.

لكن الصورة تبدو أكثر تعقيداً عند الحديث عن الترحيل داخل الاتحاد الأوروبي وفق نظام “دبلن”، خصوصاً باتجاه دول مثل فرنسا وإسبانيا. إذ تشير المعطيات إلى احتمال وجود ارتباط أوضح بين تراجع أعداد الوافدين وانخفاض عمليات الترحيل، في ظل القواعد التي تحدد مهلة زمنية لنقل طالب اللجوء إلى الدولة الأوروبية المسؤولة عن ملفه، وإلا تنتقل المسؤولية تلقائياً إلى الدولة التي يوجد فيها.

وفي هذا السياق، يسعى المكتب الاتحادي إلى تسريع البت في هذه الحالات، لا سيما في الدول التي تُبدي تعاوناً أكبر في استقبال المرحلين، في وقت يُنظر فيه إلى نظام “دبلن” مجدداً كأحد أدوات ضبط تدفقات اللجوء داخل الاتحاد الأوروبي، لكنه في الوقت نفسه يكشف هشاشة التطبيق العملي عندما تصطدم القواعد بالواقع البيروقراطي والسياسي للدول الأعضاء.

تركيا تتصدر وجهات الترحيل

وكما أفاد موقع MiGAZIN الإخباري، تصدرت تركيا قائمة الدول المستقبِلة للمرحلين من ألمانيا خلال الأشهر الثلاثة الأولى من هذا العام، حيث استقبلت وحدها 601 شخص، في مؤشر يعكس استمرار التعاون في ملف الإعادة رغم تعقيدات المشهد السياسي . وجاءت جورجيا في المرتبة الثانية بـ266 حالة، تلتها مقدونيا الشمالية بـ230 حالة، ضمن خريطة ترحيل تتغير أولوياتها تبعاً لاتفاقات التعاون وقدرة الدول على الاستجابة لطلبات الترحيل الأوروبية.

بين الواقعية السياسية والانتقادات الإنسانية

ويقول مؤيدو الخطة إن أوروبا لم تعد تملك رفاهية التعامل مع ملف الهجرة بالأدوات القديمة، وإن القواعد الجديدة ستمنح الحكومات قدرة أكبر على تنفيذ قرارات الترحيل واستعادة السيطرة على الحدود في ظل تصاعد نفوذ الأحزاب اليمينية التي جعلت الهجرة إحدى أبرز قضاياها الانتخابية.

أما منتقدو الخطة فيرون أن الاتحاد الأوروبي، الذي بنى جزءاً كبيراً من صورته السياسية على قيم اللجوء وحقوق الإنسان، يتجه اليوم نحو واحدة من أكثر سياسات الهجرة تشدداً في تاريخه الحديث، وذلك رغم تراجع أعداد الوافدين مقارنة بذروة أزمة الهجرة قبل سنوات. ويحذر هؤلاء من أن المهاجر لم يعد يُنظر إليه باعتباره شخصاً يبحث عن الحماية أو فرصة لحياة أفضل، بل باعتباره ملفاً أمنياً يجب إغلاقه بأسرع وقت ممكن.

ومع اقتراب إقرار التشريعات الجديدة، تبدو أوروبا أمام مفارقة لافتة، فالقارة التي كانت تقدم نفسها لعقود باعتبارها ملاذاً للفارين من الحروب والأزمات، تبحث اليوم عن آليات لإبقاء هؤلاء بعيداً عن حدودها. وعندها قد لا تنتهي الرحلة التي تبدأ في قرى أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط، وتعبر الصحارى والبحار وتبتلع خلالها أمواج المتوسط آلاف الأرواح، في باريس أو برلين أو أمستردام، بل في مراكز ترحيل تبعد آلاف الكيلومترات عن الحلم الذي دفع أصحابه كل ما يملكون للوصول إليه.

أمل باللغة الألمانية

يلا